Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر February 4, 2026
A A A
الإنتخابات النيابية بين تأجيل.. وتأجيل!
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”

أطلق وزير الداخلية الإشارة التمهيدية الأولى لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري المقرَّر في أيار المقبل، في خطوة يفترض أن تعكس التزام الدولة بالاستحقاقات الديمقراطية، إلا أنّها جاءت وسط مناخ سياسي مشحون بالشكوك، حيث يتزايد الحديث في الكواليس عن احتمال التأجيل، بين ما يُسمّى «تأجيلاً تقنياً» لشهرين، وصولاً إلى طرح أكثر خطورة يتمثل بتأجيل لعام كامل تحت عنوان «إتاحة الوقت للتوافق على صيغة مشاركة المغتربين».
التمييز بين هذين الاحتمالين ليس شكلياً، بل جوهري. فالتأجيل التقني المحدود، إذا ما اقتصر على شهرين، وجاء مبرَّراً بأسباب لوجستية واضحة ومعلنة، ومقروناً بجدول زمني نهائي لا لبس فيه، قد لا يترك تداعيات خطيرة على الوضع الداخلي، أو على صورة لبنان الخارجية. في تجارب دولية كثيرة، حصلت تعديلات تقنية على مواعيد الانتخابات من دون أن يُنظر إليها كانتكاس ديمقراطي، شرط أن تبقى ضمن سقف زمني ضيّق، وأن لا تتحول إلى سابقة أو مبرِّرٍ للتلاعب بالاستحقاقات.
لكن حتى هذا التأجيل المحدود يبقى سيفاً ذا حدّين في الحالة اللبنانية. فالثقة الداخلية والخارجية لا تزال هشّة، وأي تعديل في المواعيد يستدعي أعلى درجات الشفافية والوضوح، كي لا يُفسَّر كإشارة تراجع أو عجز. لذلك، فإن نجاح «التأجيل التقني» في حال حصوله، يبقى مرهوناً بإجماع سياسي عريض، وبإدارة حازمة تمنع تمديده، أو استثماره في بازار الحسابات الضيّقة.
أما الحديث عن تأجيل الانتخابات لمدة عام كامل، فهو يدخل في منطقة شديدة الخطورة. فمثل هذا القرار، مهما كانت الذرائع، سيُقرأ داخلياً كضربة مباشرة للمسار الديمقراطي، وسيعيد فتح ملف الشرعية الشعبية للمجلس النيابي، في بلد يعاني أصلاً من أزمة ثقة عميقة بين المواطنين ومؤسساتهم. كما أنه سيشكّل رسالة سلبية إلى الخارج، توحي بأن لبنان عاجز عن الالتزام باستحقاقاته الدستورية، حتى في مرحلة يُفترض أنها مرحلة استعادة انتظام الدولة.
الأخطر أن تأجيلاً بهذا الحجم سيقوِّض الزخم الذي راكمه العهد والحكومة في مسار الإنقاذ والإصلاح، والذي تحقق حتى الآن بنتائج مقبولة قياساً بحجم الانهيار. فتعليق الانتخابات سيُفسََّر كعودة إلى منطق المراوحة والتسويات، وسيضع علامات استفهام كبرى حول صدقية التعهدات الإصلاحية، التي حفل بها خطاب القسم والبيان الوزاري،كما أن مثل هذا التأجيل يهدد بإهتزاز الثقة الدولية التي بدأت تُبنى بحذر.
الواقع أن لبنان لا يملك ترف العبث بالمواعيد الدستورية. التأجيل التقني، إن فُرض، يجب أن يبقى استثناءً مضبوطاً، لا قاعدة. أما التأجيل الطويل، فسيكون بمثابة انتكاسة سياسية ودستورية، قد تدفع البلاد مجدداً إلى دائرة الشك والضغوط، في لحظة هي بأمسِّ الحاجة إلى تثبيت الثقة والاستقرار.