Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 25, 2026
A A A
افتتاحية “الأخبار”: هل يحضر السيسي شخصياً مؤتمر باريس؟ مصر تعتبر انتهاكات إسرائيل عائقاً أمام الجيش
الكاتب: الأخبار

علمت «الأخبار» أن الملف اللبناني كان حاضراً على طاولة محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في جدة الإثنين الماضي. ونقلت مصادر مطّلعة أن الأخير تطرّق إلى «ضرورة استغلال الفرص الراهنة لتحقيق إقصاء سياسي لحزب الله»، فيما دعا الرئيس المصري إلى انتظار نتائج الانتخابات البرلمانية، و«دعم اختيارات الشعب اللبناني، ومساندة السلطة الحالية».

 

وبينما يبدو أن هناك تبايناً جدياً بين القاهرة والرياض حول كيفية التعامل مع ملف سلاح المقاومة في لبنان، إلا أن الاجتماع التحضيري الذي استضافته القاهرة أمس، تمهيداً لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المزمع عقده في باريس الشهر المقبل، شكّل محطةً محورية في مقاربة الملف اللبناني أمنياً، لا تقتصر على بُعد الدعم المالي أو اللوجستي، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة صياغة معادلة السلطة والسلاح داخل لبنان. وعكست المداولات والبيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية توجّهاً واضحاً لدى القاهرة للتعامل مع المؤتمر لا كفعالية تضامنية فحسب، بل كأداة سياسية لإعادة تثبيت مفهوم «الدولة اللبنانية» بوصفها «المرجعية الوحيدة للقرارين الأمني والعسكري».

 

الاجتماع التحضيري حضره قائد الجيش العماد رودولف هيكل، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، وممثلو دول اللجنة الخماسية المعنية بلبنان بينهم وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، المبعوث الشخصي للرئيس الفرنسي جان إيف لودريان، المبعوث السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان، فضلاً عن مسؤولين أميركيين كبار.

 

كما شارك ممثلو دول المجموعة الأساسية لآلية التنسيق العسكري (MTC4L) (تضم فرنسا، الولايات المتحدة، إيطاليا، المملكة المتحدة، ألمانيا وإسبانيا) وممثلون عن جامعة الدول العربية، وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، ومكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، وجهاز العمل الخارجي الأوروبي.

 

ويبدو أن الرسالة التي أرادت القاهرة أن تبعثها، تتجاوز «تعزيز القدرات الدفاعية» بالمعنى التقليدي. وبحسب كلمة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، يتمثل الهدف الأسمى في تمكين الدولة اللبنانية من تحقيق حصرية السلاح بأيديها، في إشارة واضحة إلى سلاح حزب الله، مع التأكيد على بقاء الحزب فاعلاً في الحياة السياسية.

 

عملياً، تدعم القاهرة وضع مسار واضح ينتهي إلى تسليم السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة إلى مؤسساتها الشرعية، شرط أن يتم ذلك تدريجياً وبآلية منظمة، وبالتوازي مع التزام إسرائيلي بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الخروقات المتكررة، وتزويد الجيش اللبناني قدرات دفاعية.

 

وبحسب بيان الخارجية المصرية، فقد ركّز الاجتماع في جلسته الأولى على الاحتياجات العملياتية العاجلة للجيش اللبناني. غير أن القراءة التحليلية تشير إلى أن هذه «الاحتياجات» لا تقتصر على معدّات أو تمويل، بل ترتبط بتمكين الجيش من فرض واقع أمني جديد، ولا سيما في الجنوب.

 

والإشارة إلى نجاح الجيش في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني ضمن الإطار الزمني المحدد تعكس محاولة لتكريس نموذج قابل للتوسّع: نموذج ينتشر فيه الجيش بغطاء سياسي داخلي ودعم دولي، ويحلّ تدريجياً محل أي وجود مسلح خارج إطار الدولة. علماً أن القاهرة تريد المحافظة على عنوان القرار 1701، وهي تشدد على تنفيذه كاملاً ومتزامناً ومن دون انتقائية. وتضغط مصر لأن يكون هناك توجه واضح لإعادة تفعيله عبر بوابة تقوية الجيش اللبناني، ليصبح الجهة الوحيدة القادرة على الإمساك بالأرض، بما يسحب الذرائع من إسرائيل ويحدّ من انتهاكاتها.

 

في هذا السياق، يكتسب التحذير المصري من الانتهاكات الإسرائيلية بُعداً مزدوجاً: فهو موقف سياسي ثابت داعم لسيادة لبنان، كما يمثل تأكيداً على أن استمرار هذه الانتهاكات يُضعف موقع الدولة اللبنانية ويُعقّد مهمة الجيش في استكمال خطة حصرية السلاح. وبمعنى آخر، تربط القاهرة بين دعم الجيش ومنع إسرائيل من استباحة لبنان، انطلاقاً من أن جيشاً قوياً ومسنوداً دولياً من شأنه إرساء توازن يحدّ من اختلال المعادلة القائمة، مع التشديد على حق الجيش اللبناني في التصدي لأي خرق جوي لحدوده.

 

ويؤشر التنسيق المصري – الفرنسي، الذي برز بوضوح في لقاء عبد العاطي ولودريان، إلى أن مؤتمر باريس لن يكون مجرد منصة لتعهدات مالية، بل محطة سياسية لتكريس هذا التوجه. ومن هنا، ظهرت مؤشرات عن احتمال حضور السيسي شخصياً المؤتمر، أو مشاركة وفد رفيع المستوى على الأقل، كانعكاس لإدراك مصر بأن المؤتمر يتجاوز الطابع التقني. وأن توفير موارد مالية وفنية كافية للجيش اللبناني سيُترجم عملياً في تثبيت مسار حصر السلاح، بينما سيؤدي إخفاقه، أو الاكتفاء بتعهدات رمزية، إلى تكريس الواقع القائم.

 

وبحسب المصادر المصرية، فإن المعادلة التي تسعى القاهرة إلى ترسيخها تقوم على تقوية الجيش ليغدو الضامن الوحيد للأمن الوطني اللبناني، ما يجعل تسليمه السلاح نتيجة طبيعية لمسار مؤسساتي متدرّج، لا نتيجة مواجهة داخلية.