Beirut weather 27 ° C
تاريخ النشر October 8, 2026
A A A
اعتكاف وزير الطاقة.. وقصة ابريق الزيت!
الكاتب: حسناء سعادة

كتبت حسناء سعادة:

لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مشكلة تقنية تبحث عن فيول أو معامل أو ساعات تغذية، بل تحولت إلى سؤال يضع الحكومة أمام عدة احتمالات، بعدما أعلن وزير الطاقة والمياه جو صدي اعتكافه عن حضور جلسات مجلس الوزراء، معلناً ان المشكلة ليست مرتبطة بوزارته وحدها، بل حمّل الحكومة مسؤولية اتخاذ قرارات تتعلق بتمويل مؤسسة كهرباء لبنان، وتسديد المستحقات، والتعرفة، وتأمين القدرة على شراء الفيول.
هناك حكاية تروى اسمها قصة ابريق الزيت التي تعني ان لا قصة في الاصل، بل تكرار لا طائل له حتى يصاب الراوي والمستمع بالسأم، ويدخلا معاً في دهاليز الصمت، فيما تروى حكاية أخرى عن عائلة امتلكت إبريق زيت قديماً لا عيب فيه، فقرروا التخلص منه واستبداله بآخر جديد تقليداً لجيرانهم فكسروه، وكلما أتوا بإبريق جديد وجدوا أن الزيت يرشح منه وظلوا نادمين بلا طائل.
الحكايتان تنطبقان على ازمة الكهرباء في لبنان، حيث سمع اللبنانيون على مدى سنوات وعوداً كثيرة، لكنها لم تنفذ وبقيت العتمة سائدة والاتكال على المولدات استمر وسيستمر الى ما لا نهاية اذا لم يتم التوصل الى حل جذري لهذه المعضلة.
التغذية الكهربائية اليوم في ادنى مستوياتها والمواطن يدفع فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان التي تنطلق شهرياً بعشر دولارات حتى لو كانت العتمة شاملة، ويدفع في الوقت نفسه فاتورة المولد الخاص، فيما ترتفع كلفة الكيلوات من أصحاب المولدات، وتضاف إليها رسوم وبدلات أخرى، ما يجعل الكهرباء عبئاً مضاعفاً على عائلات لم تعد مداخيلها تحتمل المزيد.
فهل المطلوب من المواطن أن يدفع أكثر مقابل كهرباء أقل؟
وهل لا يزال قادراً على تحمل ترف تحويل ملف الكهرباء إلى كرة تتقاذفها المؤسسات، فيما هو يدفع الثمن يومياً؟.
إن اعتكاف وزير داخل الحكومة ليس تفصيلاً عادياً، فهكذا خطوة تفتح حكماً باب النقاش حول قدرة الحكومة على إدارة الخلافات داخلها، وحول ما إذا كانت أزمة الكهرباء ستبقى ملفاً تقنياً أم ستتحول إلى أزمة سياسية أوسع.
الاغرب في موضوع الكهرباء ان الذين كانوا يرفعون الصوت عالياً في وجه وزير الطاقة باتوا اليوم يعيشون صمت القبور فهل اعتاد اللبناني على العتمة إلى درجة أنه لم يعد يغضب؟ أو ربما لم تعد المسألة لا مبالاة بقدر ما هي إنهاك؟ فالمواطن الذي عاش سنوات من الأزمات، وانهيار القدرة الشرائية، وغلاء المحروقات، وفواتير متعددة للخدمة نفسها، وصل إلى مرحلة يشعر فيها أن الاعتراض لن يغيّر شيئاً.
بين اعتكاف الوزير، وصمت الحكومة، وارتفاع الفواتير، يبقى المواطن واقفاً في العتمة… يدفع مرتين، وينتظر للمرة الألف أن تصبح وعود الكهرباء واقعاً لا موعداً جديداً مؤجلاً.