Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 1, 2026
A A A
اسرائيل تستهدف الذاكرة.. لا الجنوب وحده!..
الكاتب: حسناء سعادة

كتبت حسناء سعادة في سفير الشمال 

لم يعد ما يجري في الجنوب اللبناني يشكل انتهاكات لوقف إطلاق النار، بل بات سياسة ممنهجة تطال الإنسان والأرض والتاريخ معاً. فالتفجيرات الضخمة التي شهدتها قلعة الشقيف، والتي أحدثت هزات أرضية بلغت قوتها 3.8 درجات على مقياس ريختر، ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر خطير إلى مستوى التصعيد الذي تمارسه إسرائيل، في تحد واضح للقوانين الدولية وللجهود الدبلوماسية المبذولة لتثبيت الاستقرار في الجنوب.

 

إن استهداف المعالم الأثرية لا يمكن عزله عن سياق الاعتداءات المتواصلة على القرى الجنوبية وبنيتها التحتية، فحين تقصف القلاع التاريخية، وتدمر الجسور والطرقات والمنازل، لا يكون الهدف عسكرياً فحسب، بل يمتد إلى محاولة محو ذاكرة المكان وطمس هوية الأرض. فقلعة الشقيف شاهد حي على قرون من تاريخ لبنان، وتشكل جزءاً من الإرث الثقافي والإنساني الذي ينبغي أن يبقى بمنأى عن النزاعات المسلحة.

 

 

إن الاعتداءات الإسرائيلية لا تشكل فقط انتهاكاً للالتزامات القائمة، بل تبعث برسائل تصعيدية في توقيت بالغ الحساسية، عشية الاجتماعات الدولية المخصصة لاستكمال البحث في آليات تثبيت الاستقرار في الجنوب. وهذا يطرح علامات استفهام جدية حول النيات الحقيقية لإسرائيل، وما إذا كانت تسعى إلى إفشال أي فرصة لتهدئة مستدامة.

 

 

 

الأخطر من ذلك أن هذه الاعتداءات لا تستهدف الحجر وحده، بل تضرب الشعور بالأمان لدى أبناء الجنوب، وتضع المدنيين أمام واقع يومي من القلق والخوف، في ظل استمرار التفجيرات والانتهاكات التي تطال معظم القرى الحدودية. فلا يمكن الحديث عن سلام أو استقرار فيما يستيقظ اللبنانيون على دوي الانفجارات، ويعيشون تحت تهديد دائم يطال حياتهم وممتلكاتهم ومستقبلهم.

 

 

 

إن حماية المواقع الأثرية ليست قضية ثقافية فحسب، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية يفرضها القانون الدولي، ولا سيما عندما تكون هذه المعالم مدرجة على لوائح التراث العالمي أو تتمتع بقيمة تاريخية وإنسانية استثنائية، والاعتداء عليها لا يمس لبنان وحده، بل يطال التراث الإنساني المشترك، ويستوجب موقفاً حازماً من المجتمع الدولي ومنظمة الاونيسكو، لأن الصمت على تدمير التاريخ يشجع على تكرار الجريمة.

 

 

 

اليوم، يقف لبنان الرسمي أمام اختبار جديد، هو الذي اختار الدبلوماسية طريقاً للحل، فيما تستمر إسرائيل في فرض وقائع ميدانية بالقوة، متجاهلة كل النداءات الدولية.

 

إن مسؤولية المسؤولين في لبنان والدول الراعية والهيئات الدولية لا يجوز ان تقتصر على إصدار بيانات القلق، بل تستوجب خطوات عملية لوقف الانتهاكات، وحماية المدنيين، وصون التراث اللبناني من الاستهداف المتكرر.

 

 

 

الجنوب لا يحتاج إلى بيانات تعاطف، بل إلى موقف دولي حازم يضع حداً للاعتداءات. لأن الأوطان لا تُقاس فقط بما تحميه من حدود، بل أيضاً بما تحفظه من تاريخ وذاكرة. وعندما تفجر القلاع وتستباح القرى فإن الخطر لا يطال الجنوب وحده، بل يطال مستقبل لبنان بأكمله.