Beirut weather 10.21 ° C
تاريخ النشر January 13, 2026
A A A
استعدادات للانتقال إلى الحرب: إسرائيل تواصل «التهويل المنظّم»
الكاتب: يحيى دبوق

كتب يحيى دبوق في “الأخبار”:

تتأرجح المقاربة الإسرائيلية المعلنة تجاه التطوّرات في إيران، بين التعبير عن أمل مفرط في سقوط النظام، وتقدير واقعي بأن الأخير، رغم الأزمة التي يواجهها، لا يزال صامداً إزاءها، وربّما يخرج منها أكثر تماسكاً وقوّة. وفيما تراقب إسرائيل المشهد عن كثب، آملةً في أن تؤدي ديناميّات الاحتجاج إلى تآكلٍ في بنية النظام وقوّته، فهي لا تُغفل حقيقة أن طهران نجحت، مراراً، في امتصاص الصدمات، والالتفاف عليها. ومع هذا، فإن ما يجري هذه المرّة يختلف في تداعياته عمّا حصل سابقاً؛ ذلك أنه لا يقتصر على كونه أزمة داخلية إيرانية، بل يمكن أن يتحوّل سريعاً إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وهو سيناريو يشكّل مصدر قلق وتفاؤل في آن، لصنّاع القرار في تل أبيب.

الأكيد أن إسرائيل لا تنظر إلى ما يجري باعتباره مشهداً يراقَب من على شرفة المتفرّجين، بل كمسرح يَفرض عليها أن تكون طرفاً فاعلاً فيه: من صياغة السيناريو، إلى توجيه الإخراج، ثمّ تحديد لحظة الذروة. ومن هنا، يُفهم العمل، بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، على فعل كلّ ما يمكن فعله لدفع الاحتجاجات نحو التمدّد، وتعزيز قوّتها التنظيمية والشعبية، وحتى عسكرتها، وصولاً إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي المشترك: إسقاط النظام الإسلامي في إيران. على أن المقاربة العلنية في تل أبيب – رغم تصريحات رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، الداعمة للمحتجّين، أو تحذيراته من «عواقب فظيعة» في حال هاجمت إيران، إسرائيل – تبقى مجرّد واجهة، فيما الجوهر يكمن في الصمت المحسوب، وفي التحرّكات الخفيّة، وفي التنسيق الأمني غير المرئيّ مع واشنطن، كما في الاستعدادات العسكرية والاستخبارية الجارية تحت السطح.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل ما يجري في طهران عمّا تشهده غرف العمليات في تل أبيب وواشنطن؛ إذ بات واضحاً أن ثمة جهداً إسرائيلياً كبيراً لكبح أيّ مسعى أو نيّة إيرانية للاندفاع نحو استهداف الأراضي المحتلة، سواءً بشكل استباقي، أو ردّاً على تطوّرات داخلية أو خارجية. ويتجلّى ذلك الجهد في التحذيرات الصريحة التي توجَّه إلى إيران عبر وسائل الإعلام العبرية وقنوات علنية أخرى رديفة، إضافة إلى القنوات الديبلوماسية، والتي تذكّر في مجملها بقدرة إسرائيل على الردّ «المؤلم» على إيران، واستهداف قياداتها وقدراتها وبناها التحتية. أيضاً، تشتغل إسرائيل على تحسين الوضعية الدفاعية، خصوصاً عبر تعزيز الحماية حول الأهداف الحيوية (المطارات والموانئ والمراكز العسكرية والمدنية ذات الأهمية الاستراتيجية)، في ما يمثّل جزءاً لا يتجزّأ من موقف استراتيجي مخطّط له، يأخذ في الحسبان سيناريوات متعدّدة: من تصاعد الاحتجاجات الداخلية في إيران، إلى احتمال تدخّل خارجي صامت أو صاخب أو مزيج من الاثنين معاً.
ومنذ اليوم الأول لاندلاع الاحتجاجات، تعمل إسرائيل وفق استراتيجية «التهويل المنظَّم»، التي تهدف إلى غرس حالة من اللايقين في نفوس صنّاع القرار الإيرانيين، وإضعاف قدرتهم على «قمع» الحَراك انطلاقاً من الخشية من التبعات الدولية والردود الخارجية على ذلك، ومنعهم أيضاً ممّا يسمّى «تصدير الأزمة» إلى الخارج عبر اللجوء إلى تصعيد أو ضربات ضدّ إسرائيل. كما إن تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لم تخرج من هذا السياق: وعود للمحتجّين، ووعيد للنظام، وإيحاء بالتدخُّل الوشيك، وبوجود «عدٍّ تنازلي» محسوب، في ما يراد من ورائه إبقاء النظام في حالة توتّر دائم، ودفع الشارع إلى مزيد من التصعيد.

على أن أيّ قرار حقيقي بالتدخُّل «الصاخب» عسكريّاً أو ما يوازيه أمنيّاً، لن يسبقه إعلان أو تسريبات واضحة، بل سيأتي فجأة، وكعملية منفصلة تماماً عن الخطاب العلني، في حين أن هذا الأخير يستهدف فقط التشويش على قدرات النظام على اتّخاذ قرارات حاسمة، وفي الوقت نفسه تشجيع المحتجّين على التمادي، ومحاولة توسيع صفوفهم، وربّما دفع شخصيات أو مؤسسات داخل النظام، إلى التفكير في الانشقاق. إلّا أن المقاربة العلنية، مهما بدت دراماتيكية، تبقى أداة نفسية وسياسية، بينما تمضي المقاربة الحقيقية للتدخّل في مسار موازٍ، صامت ودقيق. ولعلّ ذلك الفصل بين «التمثيل» و«التنفيذ»، هو ما يجب أن يظلّ حاضراً في الذهن، عند متابعة ما يجري في إيران اليوم.