Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 3, 2026
A A A
اختبارات القوة ترسم المعادلات الحقيقية
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

يوم التهديد والحديث عن وقف النار لم يكن يوماً عادياً في مسار الحرب الدائرة في المنطقة، بل شكّل لحظة كاشفة لما بات ثابتاً في معادلات الصراع. فقد بدأت الساعات الأولى بتهديدات إسرائيلية مباشرة باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد توسّع العمليات العسكرية جنوب الليطاني ووصول القوات الإسرائيلية إلى مناطق جديدة في الجنوب اللبناني، وانتهت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاهم لوقف إطلاق النار وخفض التصعيد، بعدما هددت إيران باستهداف شمال فلسطين المحتلة، ودعت مستوطني الشمال إلى إخلاء مستوطناتهم إذا تمّ قصف الضاحية الجنوبية من بيروت، وقد أكدت مصادر أميركية وإسرائيلية أن قرار ضرب بيروت كان مطروحاً بالفعل، وأن ترامب تدخّل شخصياً لمنع تنفيذه.

 

– الخلاصة الأولى التي كشفت عنها الوقائع هي أن واشنطن لا تريد الحرب مهما كان الثمن. وكان واضحاً أن أميركا لا تتصرّف كقوة تبحث عن توسيع المواجهة، بل كطرف يخشى انهيار مسار التفاوض مع إيران وانفجار المنطقة في حرب مفتوحة يصعب ضبطها. وقد ربطت تقارير أميركية وأوروبية بصورة واضحة بين التدخل الأميركي العاجل لمنع قصف بيروت وبين الخشية من انهيار المفاوضات الجارية مع إيران، بعدما لوّحت طهران بتجميد الاتصالات والدخول على خط الحرب إذا استمرّ التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

 

– الخلاصة الثانية أن “إسرائيل” حاولت تحسين شروط الضغط الأميركي على إيران عبر التصعيد في لبنان، لكنها بدت أضعف من أن تتمرّد على القرار الأميركي. حيث إن بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس أعلنا قرار ضرب الضاحية، ثم عاد القرار وتجمّد بعد الاتصال مع ترامب. حتى الصحافة الإسرائيلية والمعارضة الإسرائيلية تعاملت مع المشهد بوصفه دليلاً على حجم التأثير الأميركي المباشر على القرار العسكري الإسرائيلي، مما فتح نقاشاً داخلياً إسرائيلياً حول مصير القرار المستقل وخطورة التحول إلى حكم تحت الوصاية يتلقى التعليمات.

 

– الخلاصة الثالثة أن إيران أرسلت رسالة واضحة مفادها أنها جاهزة للذهاب إلى الحرب مجدداً إذا فُرضت عليها. ذلك أن طهران لم تتعامل مع تهديد بيروت كملف لبناني منفصل، بل كجزء من معادلة إقليمية واحدة. وقد ربطت بصورة مباشرة بين استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان وبين مستقبل التفاوض مع واشنطن، ولوّحت مؤسسات قيادية عسكرية إيرانية مثل مقر خاتم الأنبياء وساندت موقفها شخصيات إيرانية بارزة مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كرئيس للوفد المفاوض بإمكانية الانتقال إلى مواجهة مباشرة إذا استمرت الاعتداءات.

 

– أما الخلاصة الرابعة فهي أن ما يُسمّى بمحور المقاومة ووحدة الساحات لم يعد مجرد شعار سياسي أو إعلامي، بل أصبح واقعاً حاكماً للميدان والتفاوض معاً. فكل التقارير التي تناولت الأزمة ربطت بين لبنان وإيران ومضيق هرمز والمفاوضات الأميركية الإيرانية. ولم يعد ممكناً التعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها ملفاً مستقلاً. وذلك معنى أن تهديد بيروت انعكس فوراً على مسار التفاوض مع إيران، كما أن أي تفاهم مع إيران بات مشروطاً عملياً بأخذ الساحة اللبنانية بالحسبان.

 

– الخلاصة الخامسة وربما الأهم تتعلق بالحرب نفسها. فبعد أشهر من العمليات العسكرية وبعد التوغلات والاحتلال المؤقت والتدمير الواسع والتهجير، لم تنجح “إسرائيل” في تحقيق الهدف الذي أعلنته مراراً وهو تأمين الشمال بصورة نهائية. ولهذا انتقلت إلى البحث عن مستوى أعلى من التصعيد يحقق الردع لمنع استهداف الشمال تسليماً بفشل إبعاد الخطر عن الشمال بوسائل تقنية أو عبر السيطرة الجغرافية. وبعد جنوب الليطاني جاء العبور إلى شمال الليطاني، وبعده جاء التهديد ببيروت نفسها. وهذا الانتقال يعكس مأزقاً أكثر مما يعكس نجاحاً، لأن الانتقال من هدف يراهن على الجغرافيا إلى هدف يعتمد على الردع يعني أن الرهان على الجغرافيا قد فشل، وإذا فشل الردع صار البحث عن حل عبر التفاوض حتمياً. لكن الانتقال إلى مرتبة أعلى من التصعيد بما حمل معه من انتقال إلى مرتبة أعلى من الردع جاء اختباراً للردع المقابل الذي تحرّك سريعاً واستحضر القدرة الإيرانية، حيث إن استهداف الضاحية لم يعد يُنظر إليه باعتباره عملية موضعية، بل كخطوة يمكن أن تستدرج ردوداً أوسع من لبنان ومن إيران معاً. ولهذا ظهر التردد الأميركي السريع، وبرزت الحاجة إلى وقف النار قبل اختبار نتائج هذا التصعيد.

 

– لقد كشف يوم التهديد والحديث عن وقف النار حقيقة المشهد الذي حاولت واشنطن وتل أبيب إخفاءه باللغة الخشنة، وجاءت لحظة ظهوره على حقيقته، حيث أميركا تريد تجنب الحرب الشاملة، و”إسرائيل” تريد تحسين شروط التفاوض بالقوة لكنها عاجزة عن فرض إرادتها منفردة، وإيران مستعدة للعودة إلى المواجهة إذا فُرضت عليها، ومحور المقاومة حاضر باعتباره معادلة إقليمية لا يمكن تجاوزها، فيما تؤكد وقائع الميدان أن التوسع العسكري الإسرائيلي لم ينجح في إنتاج الأمن الذي وعد به قادة الاحتلال مستوطني الشمال. وبين هذه الحقائق جميعاً تتشكل المرحلة المقبلة، حيث يبدو أن معركة الإرادات لم تنتهِ، لكن حدود ومعايير تشكيل القوة لدى جميع الأطراف باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.