Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر July 2, 2026
A A A
اتفاق الإطار.. بين الثغرات السياسية والنتائج الميدانية!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:
لم يكن الإعلان عن اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل مجرد خطوة تفاوضية جديدة، ولا وثيقة تقنية لتنظيم وقف إطلاق النار أو معالجة تداعيات الحرب الأخيرة، بل شكّل، محطة مفصلية نقلت الصراع إلى مرحلة مختلفة تمامًا، عنوانها إعادة صياغة المعادلة اللبنانية بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، وعلى حساب السيادة الوطنية وخيارات المقاومة.

فالقراءة المتأنية لبنود الاتفاق تكشف ثغرات سياسية عدة أبرزها أن الاحتلال لم يعد مطالبًا بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، بل بات الحديث يدور عن “إعادة انتشار تدريجية”، في تعبير يحمل دلالات سياسية وقانونية تتجاوز الصياغة اللغوية. فحين يُستبدل مفهوم الانسحاب بإعادة الانتشار، يصبح بقاء القوات الإسرائيلية في ما يسمى “المنطقة الأمنية” أمرًا قابلاً للتكريس، خصوصًا مع تصريحات رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو التي أكدت نيته الإبقاء على هذا الوجود العسكري، بما يحول الاحتلال من حالة مؤقتة إلى واقع سياسي وأمني جديد.

ولا تقف خطورة الاتفاق عند هذه النقطة، بل تمتد إلى ربط عودة عشرات آلاف الجنوبيين إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار بنتائج ما يسمى التحقق من نجاح عملية نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها العسكرية.

وبذلك، يصبح القرار الإسرائيلي هو المرجع الفعلي في تحديد موعد عودة الأهالي إلى أرضهم، وفي تقرير متى يستحق لبنان أن يبدأ بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وهو ما يمنح الاحتلال حق النقض على أبسط الحقوق الإنسانية والوطنية.

وفي الوقت نفسه، يرسم الاتفاق دورًا جديدًا للسلطة اللبنانية، إذ لم تعد مطالبة فقط بإدارة شؤون الدولة، بل أصبحت، وفق هذه القراءة، شريكًا في تنفيذ مشروع نزع سلاح المقاومة، مع إمكانية الاستعانة بقوى عربية وبدعم أميركي لتحقيق هذا الهدف.

وهكذا ينتقل الصراع تدريجيًا من مواجهة مع الاحتلال إلى مواجهة داخلية، تُسخّر فيها مؤسسات الدولة لخدمة أولويات أمنية يحددها الأميركي والإسرائيلي.

كما أن بنود الاتفاق تمنح الاحتلال ذريعة دائمة لمواصلة اعتداءاته العسكرية متى اعتبر أن إجراءات نزع السلاح أو تنفيذ الترتيبات الأمنية لم تستكمل، وهو ما يحوّل الاتفاق من أداة لوقف الحرب إلى إطار يمنح إسرائيل شرعية الاستمرار فيها تحت عنوان: “تنفيذ الالتزامات الأمنية”.

وفي البعد الإقليمي، يبدو أن الاتفاق يحقق هدفًا استراتيجيًا يتمثل في فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وسحب إحدى أهم أوراق الضغط التي كانت تتيح ربط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب بالتفاهمات الإقليمية.

وبهذا تصبح واشنطن أكثر قدرة على إدارة مفاوضاتها مع طهران بعيدًا عن أي التزام يتعلق بلبنان، فيما تجد إسرائيل نفسها أقل عرضة للضغوط السياسية المرتبطة بهذا الملف.

أما مسألة إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية بإشراف أميركي، فلا يُقرأ، إلا باعتباره خطوة إضافية نحو إخضاع المؤسسة العسكرية اللبنانية لمنظومة أمنية أميركية ـ إسرائيلية، بما يقيّد استقلالية القرار العسكري اللبناني ويعيد رسم عقيدته بما يتناسب مع متطلبات الأمن الإسرائيلي، قد عبر عن ذلك عضو الحزب الجمهوري توم حرب حين قال: يجيب حل الجيش اللبناني واعادة بنائه وفق عقيدة جديدة.

ويتجاوز الاتفاق الجانب العسكري ليطال البنية الاقتصادية والاجتماعية للمقاومة، من خلال الالتزام بمنع وصول الأموال إلى الجهات المسلحة والمؤسسات غير التابعة للدولة، وهو ما يُنظر إليه كجزء من حرب مالية تهدف إلى تجفيف مصادر القوة الاجتماعية والاقتصادية للمقاومة، بالتوازي مع الضغوط الأمنية والعسكرية.

ولا يقل خطورة عن ذلك ما ينص عليه الاتفاق من تشكيل مجموعات عمل لإعداد اتفاق شامل للسلام، إذ يرى معارضوه أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام مسار تفاوضي طويل ينتهي بتسوية سياسية مع إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال، بما يجعل أي اتفاق لاحق أكثر انحيازًا للمطالب الإسرائيلية، ويؤسس لواقع سياسي جديد لم يعرفه لبنان من قبل.

وفي المقابل، يفرض الاتفاق قيودًا على تحرك لبنان في المحافل الدولية، فيحد من إمكانية اللجوء إلى المؤسسات السياسية والقانونية لملاحقة الاعتداءات الإسرائيلية، بينما تبقى التزامات إسرائيل، ولا سيما في ملف الأسرى أو القضايا الإنسانية، محصورة في إطار “إجراءات حسن النية” غير الملزمة قانونيًا، بما يكرس اختلالًا واضحًا في ميزان الالتزامات بين الطرفين.

سياسيًا، يبدو أن المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق هو حكومة بنيامين نتنياهو، التي حصلت على إنجاز داخلي يتمثل في تثبيت معادلة تقول أن لا انسحاب من لبنان قبل نزع سلاح حزب الله وسائر الجماعات المسلحة، وهو ما يمنح اليمين الإسرائيلي انتصارًا سياسيًا فشِلَ في فرضه خلال الحرب.

وفي الداخل اللبناني، لا يقتصر أثر الاتفاق على إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل الاصطفافات السياسية، بحيث يصبح الانقسام بين مشروعين متواجهين: مشروع يعتبر أن حصرية السلاح هي المدخل إلى بناء الدولة، وآخر يرى أن هذا الاتفاق يشكل غطاءً لتصفية المقاومة وإضعاف عناصر القوة اللبنانية، بما يهدد وحدة البلاد واستقرارها ويفتح الباب أمام صراعات داخلية قد تكون أخطر من المواجهة مع الاحتلال نفسه.

ومن هنا، فإن اتفاق الإطار لا يُعتبر مجرد وثيقة أمنية أو تفاهم مرحلي، بل هو مشروع سياسي متكامل يعيد رسم موقع لبنان في معادلات المنطقة، ويؤسس لتحولات عميقة في بنيته السياسية والأمنية والوطنية. ولذلك، فإن الحكم الحقيقي على هذا الاتفاق لن يكون بما كُتب في بنوده فحسب، بل بما سيترتب عليه من وقائع ميدانية وسياسية قد تجعل منه أخطر محطة عرفها لبنان منذ توقيع اتفاق السابع عشر من أيار، بل وربما أكثرها تأثيرًا على مستقبله وسيادته.