Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر May 21, 2026
A A A
إيران تواجه فائض القوة بفائض الصمود
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

قامت الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية في الحرب على إيران على مفهوم فائض القوة: تفوق جوي هائل، آلاف الصواريخ العالية الدقة، شبكات دفاع جوي متعددة الطبقات، وقدرة على الاغتيال والتدمير والصدمة السريعة. في المقابل، بنت إيران استراتيجيتها على مفهوم مختلف تماماً: فائض الصمود، أي القدرة على تحمّل الضربة الأولى، وإطالة أمد الحرب، وتحويل الزمن والكلفة والاستنزاف إلى عنصر قوة مضاد. وبعد أشهر من الحرب، لم تعد المقارنة بين الطرفين مجرد مقارنة في عائدات كل من استراتيجية فائض القوة واستراتيجية فائض الصمود.

ويمكن إجراء هذه المقارنة على أربعة مستويات رئيسية: مخزون الذخائر وكلفة استنزافه، والمفاجآت الاستراتيجية، ومستوى المعيشة والقدرة الاقتصادية على الاحتمال، والحصار البحري على تصدير النفط الإيراني مقابل تأثير هرمز والخليج.

على مستوى الذخائر، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 1000 صاروخ “توماهوك” و”جاسم” عالي الدقة، ما استنزف نحو 25% إلى 30% من مخزون “توماهوك”، بينما هبط مخزون “جاسم” تقريباً إلى النصف. أما صواريخ “ثاد” و”باتريوت” الاعتراضية فاستُنزفت بعضها بنسبة تراوحت بين 60% و80%، فيما تحدثت تقارير أميركية عن أن إعادة تعبئة بعض هذه المخزونات قد تحتاج بين 4 و6 سنوات. في المقابل، قالت تسريبات استخباراتية أميركية إن إيران ما زالت تحتفظ بنحو 70% من مخزونها الصاروخي و75% من منصات الإطلاق المتحركة، وإن لديها بين 1000 و1200 صاروخ بالستي صالح للاستخدام بعد أشهر من الحرب. أي أن الحرب تحولت إلى استنزاف للطرف الذي يستخدم ذخائر أغلى ثمناً وأكثر تعقيداً.

أما على مستوى المفاجآت، فقد راهنت أميركا و”إسرائيل” على الاغتيالات والتدمير والصدمة، لكن هذه الضربات لم تنتج انهياراً أو استسلاماً إيرانياً. في المقابل، بل إنَّ إيران نجحت بتجديد النظام والمؤسسات بصورة سلسة عدة مرات، وتجاوزت ما كان مأمولاً أن يكون ضربة قاضية، وبالمقابل جاءت المفاجأة الإيرانية في هرمز والخليج، حيث مجرد التهديد بإغلاق هرمز رفع النفط من حدود 80 دولاراً إلى ما بين 120 و130 دولاراً، ورفع كلفة التأمين البحري بأكثر من 300%، بينما يمر عبر هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أي قرابة 20% من تجارة النفط العالمية. أي أنَّ إيران أظهرت بالصمود قدرة على تعطيل قيمة المفاجأة الاستراتيجية لفائض القوة، بينما عجزت أميركا عن احتواء مفاجآت هرمز واختناق الخليج والاقتصاد العالمي، وعجزت “إسرائيل” عن احتواء نتائج مفاجأة عودة حزب الله بصورة أبهرت الصديق والعدو.

على مستوى المعيشة حيث يكثر الكلام عن تأثير الحرب المدمر على مستوى المعيشة في إيران مقابل عدم الانتباه إلى نتائج اجتماعية تصيب المجتمعين الأميركي والإسرائيلي، ظهرت المفارقة الأوضح. في أميركا ارتفع غالون البنزين في كاليفورنيا من نحو 4.2 دولارات إلى أكثر من 6 دولارات، وارتفعت فاتورة الغاز المنزلي من نحو 90 دولاراً إلى 170 دولاراً شهرياً، وارتفع كيلو لحم البقر من نحو 12 إلى 18 دولاراً، وكيلو البندورة من نحو 4 إلى 6 دولارات، فيما ارتفعت أسعار الأدوية بين 10% و20% . وفي “إسرائيل” ارتفع البنزين من نحو 7 شيكلات إلى 10 شيكلات لليتر، وارتفعت فاتورة الكهرباء من نحو 600 إلى 1200 شيكل شهرياً، والغاز المنزلي من نحو 300 إلى 600 شيكل، وكيلو لحم البقر من نحو 60 إلى أكثر من 100 شيكل، وكيلو البندورة من 6 إلى 15 شيكلاً، فيما ارتفعت أسعار الأدوية بين 15% و35%. أما في إيران فارتفع البنزين الحرّ من نحو 30 ألف ريال إلى 50 ألف ريال لكل ليتر، بينما بقي البنزين المدعوم عند 15 ألف ريال، وارتفعت فاتورة الغاز المنزلي من نحو 10 ملايين ريال إلى نحو 25 مليون ريال شهرياً، والكهرباء من نحو 30 مليوناً إلى 70 مليون ريال، وكيلو لحم البقر من نحو 5 ملايين إلى ما بين 8 و12 مليون ريال، وربطة الخبز من نحو 700 ألف إلى نحو مليوني ريال، وكيلو البندورة من نحو 3 ملايين إلى نحو 5 ملايين ريال، فيما ارتفعت أسعار الأدوية بين 10% و20%. لكن الفارق أن إيران رفعت الأجور والدعم النقدي بنسب قاربت ارتفاع الأسعار، وصلت إلى90 % فارتفع متوسط دخل الأسرة من نحو 300 مليون ريال إلى نحو 500 أو 600 مليون ريال شهرياً، بينما بقي البنزين والطاقة مدعومين بقوة. أما في أميركا و”إسرائيل”، فارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الدخل الحقيقي، ولذلك ظهر الضغط سريعاً على الطبقة الوسطى.

المقارنة الرابعة، هي عائد الحصار البحري النفطي لإيران مقابل هرمز، فقد ظهرت المفارقة الأكثر دلالة في الحرب كلها. الولايات المتحدة راهنت على أن الحصار البحري يمنع إيران من بيع نفطها ويخنق اقتصادها سريعاً. لكن إيران استمرت رغم الحرب بتصدير ما بين 1.2 و1.8 مليون برميل يومياً عبر طرق بحرية وبرية واتفاقات تجارية مختلفة، فيما قالت تقديرات استخباراتية أميركية إن إيران قادرة على الصمود تحت الحصار البحري بين 90 و120 يوماً على الأقل. في المقابل، لم تحتج إيران إلى إغلاق هرمز فعلياً كي تهز الاقتصاد العالمي. مجرد التهديد أدّى إلى ارتفاع النفط إلى حدود 130 دولاراً، وارتفاع كلفة التأمين البحري أكثر من 300%، واضطراب حركة الناقلات، وارتفاع أسعار الشحن والطاقة عالمياً. أي إن الحصار الأميركي لم يمنع إيران من الاستمرار، بينما نجحت إيران في جعل العالم كله يشعر بكلفة الحرب عبر هرمز والخليج.

الحصيلة بعد أشهر من الحرب تبدو واضحة، أميركا و”إسرائيل” تمتلكان فائض القوة، لكن إيران تمتلك فائض القدرة على الصمود واختبار فائض الصمود لدى أميركا و”إسرائيل”. وفي الحروب الطويلة، لا يكون السؤال فقط من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع تحمّل الزمن والكلفة والاستنزاف لفترة أطول.