Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر October 17, 2026
A A A
إيران تثبت تحكّمها بسعر النفط
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

بين مطلع تموز ومنتصف تشرين الأول، قدّمت سوق النفط كشف حساب للمواجهة حول مضيق هرمز. فعندما أعلنت طهران إعادة فتح المضيق بعد مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، عاد البرميل إلى حدود السبعين دولاراً، قبل أن يبدأ النفط بالتدفق بملايين البراميل يومياً، وسجّل برنت في الأول من تموز 71.57 دولاراً. وعندما أعلنت إيران إعادة إقفال المضيق وشدّدت شروط المرور وكثّفت استهداف السفن والناقلات، تجاوز السعر المئة دولار، وصولاً إلى عتبة 110 دولارات في تداولات السادس عشر من تشرين الأول. رغم إعلانات واشنطن عن مواصلة عبور عشرات السفن وملايين البراميل، وبين السعرين تظهر قيمة الثقة بانتظام الملاحة، والقدرة الإيرانية على منح هذه الثقة أو إسقاطها.

ما جرى يكشف انتقال المواجهة إلى مستوى أعمق من حساب تدفق البراميل. فالمستورد الذي يتعاقد على شحنات تصل بعد أسابيع يحتاج إلى ضمان استمرار وصولها، وشركة الشحن التي تخصّص ناقلاتها لمسار معين تحتاج إلى تقدير مستقر للمخاطر، وشركة التأمين تسعّر احتمال تعرض الرحلة المقبلة للاستهداف. لذلك فإن وصول ناقلة اليوم يثبت نجاح رحلة انتهت، بينما يبقى السؤال الذي يحكم السعر متعلقاً بالرحلة التالية. وكلما بقي المنع ممكناً، بقيت كلفته المحتملة حاضرة في العقود، مهما بلغ حجم ما سبق أن عبر.

من هنا فقدت الإعلانات الأميركية عن عبور مئات ملايين البراميل قدرتها على إنتاج الانفراج الموعود. فهي تقدّم حصيلة للماضي، بينما تطلب السوق يقيناً للمستقبل. وقد تستطيع واشنطن جمع أرقام كبيرة لشحنات خرجت خلال أسابيع وأشهر، لكنها لا تستطيع تحويل هذا المجموع إلى ضمانة بأن المرور أصبح آمناً ومستداماً في الغد وأي غد قادم. ويكفي أن تعود إيران إلى استهداف سفينة لتعيد السؤال إلى نقطة البداية: هل انتهت قدرتها على تعطيل الملاحة؟ فإذا جاءت الإجابة بالنفي، ظل إعلان الفتح الأميركي وعداً تستطيع طهران نقضه.

ولهذا لا يصح توزيع التأثير في الأسعار بحسب نسبة السماح والمنع، كأن ارتفاع عدد السفن العابرة يخفض حكماً الوزن الإيراني بالنسبة نفسها. فإثبات القدرة على المنع يغيّر حسابات جميع السفن، بما فيها التي لم تتعرض لأي هجوم. وتصبح العملية الواحدة رسالة إلى السوق بأسرها، لأن خطرها يدخل في تسعير الرحلات المقبلة. وهنا تكمن القوة الإيرانية: الاحتفاظ بقدرة موثوقة على التدخل في شروط العبور، وجعل استقرارها مرتبطاً بموقف سياسي وعسكري تستطيع طهران تغييرها ما دامت المواجهة مستمرة.

ما يضاعف هذا الأثر هو تعثر قدرة واشنطن على تطبيق معادلة «ناقلة مقابل ناقلة». فقد قدّمت واشنطن المعادلة باعتبارها أداة لردع إيران، لكن استمرار الاستهداف الإيراني كشف أنها لم تتحول إلى ضمانة توقف الهجمات وتحمي الملاحة. وتقرأ السوق الفارق بين إعلان الردع والقدرة على تطبيقه بوصفه عجزاً أميركياً عن فرض انتظام المرور. فالقوة التي تتوعد بإسكات مصدر الخطر ثم يبقى قادراً على العمل، تفقد قدرتها على طمأنة المتعاملين. وبذلك تصبح حرية الحركة الإيرانية، مقابل حدود الرد الأميركي، جزءاً من تقدير المخاطر الذي يرفع السعر.

وحتى التهديد بحرب بعد الانتخابات لا يقدم للسوق ما تحتاج إليه. فهو يترك المخاطر قائمة خلال الانتظار، ويفتح بعدها احتمال تصعيد أشد، بينما تحتاج المصافي والمصانع وشركات النقل إلى اتخاذ قراراتها الآن. وكلما اتسعت التهديدات لتشمل منشآت الطاقة، زادت الأسئلة عن سلامة الإنتاج والتكرير والتصدير في المنطقة. وهكذا يمكن لخطاب القوة أن يرفع كلفة النفط بدلاً من تخفيضها، لأن المتعاملين يقيسون أثره باحتمالات التعطيل التي يضيفها إلى حساباتهم، وبقدرته الفعلية على إنهائها.

وتظهر حدود البدائل في استمرار ارتفاع الأسعار رغم إجراءات الطوارئ. فقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية تسريع الإفراج عن مخزونات تشمل أكثر من عشرين مليون برميل ديزل، وتبحث واشنطن تخفيف القيود عن بعض سفن «أسطول الظل» لزيادة طاقة النقل. هذه الإجراءات توفر كمّيات وسفناً ووقتاً إضافياً، لكنها تترك السؤال الحاسم مفتوحاً: هل توقفت المخاطر؟ فالاحتياط يُستهلك، والاستثناء يمكن تعديله، والسفينة الإضافيّة تدخل بدورها سوقاً تحكمها احتمالات الاستهداف والتأخير.

لذلك صار ما تنتظره السوق اتفاقاً يطمئنها إلى توقف المخاطر واستمرار الملاحة. وقد نقلت رويترز عن «كبلر» توقع تعافٍ أبطأ وأكثر تفاوتاً لتدفقات هرمز في غياب اتفاق سياسي شامل. وهذه هي الدلالة الاستراتيجيّة لوصول البرميل إلى 110 دولارات، حيث تستطيع إيران إبقاء الثقة معلّقة، فيما تعجز بيانات العبور الأميركية عن استعادتها. وكل يوم يستمر فيه هذا الوضع يراكم الضغط على المستهلكين والاقتصادات والحكومات، ويزيد قيمة التفاهم مع طهران. فالكلمة التي تحتاج إليها السوق كي تخفض تقدير المخاطر أصبحت اتفاقاً تقبله إيران وتلتزم به واشنطن، يمنح الرحلة المقبلة ضمانة تفتقدها كل أرقام الرحلات السابقة.