Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر April 13, 2016
A A A
إيبلا… المملكة التي حضنت التراث الحضاري السوري
الكاتب: لورا محمود - البناء

اعتقد العلماء سابقاً أنّ أهمّ الحضارات التي كانت في الألف الثالثة قبل الميلاد هي حضارة ما بين النهرين، وحضارة وادي النيل. ولكنّ اكتشاف إيبلا، بدّل هذه النظرية، لأن حضارة إيبلا لا تقلّ أهميةً عن تلك الحضارتين. ففي عام 1999، تم ترشيح موقع إيبلا لوضعه ضمن لائحة التراث العالمي، بعدما قُدّم ملف كامل يدرس هذا الموقع ويظهر قيمته العالمية الاستثنائية. وبفضل الاكتشافات في هذا الموقع، أصبحت سورية المصدر الرئيس الثالث للتاريخ الحضاري والسياسي في الشرق الأدنى.

موقعها وأهميتها
إيبلا هي مملكة سورية قديمة قامت في تل مرديخ، وتبعد عن حلب حوالى 55 كيلومتراً. ازدهرت في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وامتدت المناطق التي كانت تحكمها من الفرات شرقاً حتى سواحل المتوسط غرباً، ومن طوروس شمالاً حتى حماه جنوباً.
كان النفوذ التجاري لإيبلا يمتدّ حتى صحراء سيناء، في الشمال فلسطين ولبنان وسورية وفي الغرب وصلت إلى قبرص، وفي الشرق حتى مرتفعات ما بين النهرين. وكانت حضارة إيبلا وثقافتها مهيمنتين اقتصادياً وسياسياً على مناطق كثيرة من سورية، تمتدّ بين جبال لبنان في الغرب وحتى بادية الشام في الشرق، وبين جبال طوروس في الشمال إلى منطقة حمص في الجنوب حتى نهر الفرات. وكانت بفضل موقعها في وسط الخطوط التجارية، صلة الوصل بين مصر وما بين النهرين، وإلى ما بعد جبال إيران حتى الهند.
يتألف موقع إيبلا من مدينة منخفضة، ومدينة مرتفعة أكروبول ، بُنيت مساكن المدينة المنخفضة البسيطة باللِّبن من دون أساسات حجرية، وربّما ضمّت أيضاً معابد. أما الأكروبول فهو مركز المدينة ويتألف من صخور كلسية بُنيت فوقها المعابد والقصور، ويفصلها عن المدينة شارع عريض.

image_0_4

معنى كلمة إيبلا ولغتها وأدبها
مرّت إيبلا بثلاث حقبات زمنية. الأولى بين 2400 و2300 قبل الميلاد، والثانية 2300 و2000 قبل الميلاد، والثالثة بين 2000 و1600 قبل الميلاد. واسمها باللغة العربيّة يعني الحجر الكلسي، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى طبيعة الأحجار الكلسية فيها. وشكّلت مملكة إيبلا أساساً لبناء الحضارة السورية وكان لها ارتباط وثيق مع مراكز الحضارات، خصوصاً الحضارة الفرعونية.
اللغة المتحدّث بها كانت اللغة السامية، هي اللغة الرسمية لسكان مدينة إيبلا ومدن كثيرة عاصرتها وجاورتها في منطقة الشرق الأوسط، إذ تعدّ لغة أهالي إيبلا في «تل مرديخ» أقدم لغة وصلت إلينا مكتوبة حتى الآن، ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد مسطّرة منها، وتتماثل هذه اللغة مع اللغة الكنعانية، والأوغاريتية لغة رأس شمرا على الساحل السوري ومع اللغة الفينيقية، وأيضاً تتماثل مع اللغة العربية التي تعدّ أحدث لغة سامية أدبية بين مجموعة اللغات السامية. فمثلاً، نجد بين مفردات لغة إبيلا في الألف الثالث قبل الميلاد، كلمات لا تزال حيّة في العربية مثل «ملك»، و«يد»، و«قمح»، و«تين» التي كانت تلفظ «تينو».
كانت مملكة إيبلا تستخدم الخطّ المسماري الذي اخترعه السومريون ثم استخدمه الآكاديون في العراق. لكن اللغة الإيبلائية كانت لغة سامية من حيث التركيب، ولها خصائص تميّزها عن السومرية، مع أنها أخذت واستعارت الكثير من الكلمات السومرية. لذلك يمكننا أن نعتبر أن هذه اللغة هي الحدّ الأول للكنعانية والآرامية والأوغاريتية.
وقد اكتشفت في إيبلا قواميس تبدو فيها كلمات باللغة الإيبلائية وكانت تكتب من اليسار إلى اليمين، مع ما يقابلها من كلمات في اللغة السومرية. وقد ساعدت هذه القواميس، التي هي أقدم قواميس في العالم، في معرفة معاني عدد كبير من المفردات السومرية التي كانت مجهولة.
أما عن الأدب في إيبلا، فإن النصوص المكتشفة في إيبلا تحتوي على نصوص إدارية وسياسية واقتصادية ومعجمية، وكلها مخطوطة في إيبلا. ما أعطى أهمية عالمية للموقع. فمن هذا المكان انطلق حرف الضاد قبل خمسة آلاف سنة. كما أن الموقع يحتوي أيضاً على نصوص تشير إلى تعليم أساتذة لطلاب في المرحلة الابتدائية تشابه ما هو موجود في الوقت الحاضر. إذ تحتوي الأرقام المكتشفة في إيبلا على مسائل رياضية ونصوص فلكية وموسيقى وفلسفة ونصوص حول دور المرأة، إضافة إلى نصوص دبلوماسية تؤكد حصول التبادل الدبلوماسي بين ملوك إيبلا وماري.

image_0_3

الاكتشافات المهمة
القصر الملكي يعتبر من أهم المكتشفات، ويعود تاريخه إلى العصر البرونزي القديم في الفترة ما بين 2400 و2300 قبل الميلاد، حيث كان يضمّ مركزاً إدارياً وساحة واسعة مخصّصة للتبادل بين القوافل التجارية. وكان يعتبر البناء الرئيس للمدينة في هذه الحقبة. وهو يمتد إلى المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية من الأكروبول. بدأت البعثة الإيطالية عام 1974 بالتنقيب في القسم الإداري منه الذي يقع في الجهة الغربية، ويتضمن البلاط الكبير مع مدخل معمد وقاعة للاستقبال فيها منصة لعرش الملك مبنية من الآجر المجفف بالشمس.
وفي هذا القسم من القصر عثر على الألواح التي اكتشفت عام 1975 في غرفتين متجاورتين. كما عثر أيضاً على مواد معهم تبيّن علاقات إيبلا التجارية العالمية وتشمل أكثر من 20 كيلوغراماً من اللازورد العام المستورد من أفغانستان، وكسرات كؤوس من الديوريت والهيصم المصري.
يعود تاريخ القصر الغربي الكبير في أسفل المدينة إلى هذه الحقبة، حيث تم بناؤه عام 1900 قبل الميلاد وهو يغطي مساحة تزيد على ثلاثة أرباع الهكتار. وكذلك كشفت في هذه المنطقة مدافن نكربول التي تضمّ قبور أمراء ونبلاء.
وثاني الاكتشافات المهمة المكتبة الملكية، التي كانت مكتبة القصر الملكيّ وأُحرِقت حين غزاها الملك الآكادي نارام سين، وبالنار التي كانت دماراً للمدينة شويت الرقم الطينية وأصبحت مقاومة للعوامل الجوية، وبفضلها تعرفنا إلى حقبة غامضة من الزمن تمتد بين عامي 2400 و2250 قبل الميلاد، وكانت الرقم المكتوبة بالأحرف المسمارية، ليست سومرية ولا آكادية ولا أي لغة معروفة، وبعد الدراسة والمقارنة، وجد أنّها لغة جديدة خاصة بمملكة إيبلا. واتضح أنها أقدم من رقم ماري بـ400 سنة، ومن رقم أوغاريت بـ1000 سنة.

image_0_1
والمكتبة ذات أرشيف منظّم ومنسّق بشكل جيد، وبلغ تعداد الرقم الموجودة فيها حوالى سبعة عشر ألف وخمسمئة رقيم وكسرة طينية مكتوبة باللغة الإيبلائية. كان كلّ رفّ مخصّصاً لموضوع وتتراوح أحجام الألواح ومساحتها وشكلها وشكل اللوح يوحي بمضمونه، فالصلوات والأدعية كانت على ألواح مستديرة صغيرة، والأساطير على ألواح مستطيلة، والوثائق التاريخية على ألواح متوسطة ومستديرة أو مربعة مع زوايا مستديرة.
كما وجد الباحثون أن سجلات المكتبة تحتوي على مواضيع سياسية وثقافية واقتصادية وفنية وعلمية ونصوص إدارية، وتقارير عن تصدير كميات من الأثاث والمعادن والنسج واللازورد، إضافةً إلى نصوص لغوية ومعلومات عن الطيور والأسماك وأسماء مدنٍ ونصوص تشريعية وتاريخية وكتب رسمية، إضافة إلى فهارس لتعليم اللغتين السومرية والأكادية ونصوص قواعد لغوية تشبه المعاجم، وبذلك يكون أقدم قاموس لأكثر من لغتين عثر عليه في إيبلا.
وتعتبر قوانين حمورابي أقدم القوانين إلا أن قوانين إيبلا المشابهة لها وضعت قبلها. كما اكتُشف في إيبلا قصيدة تعود إلى عام 2400 قبل الميلاد وهي أقدم من قصيدة بلاد الرافدين التي تعود إلى عام 2200 قبل الميلاد.