Beirut weather 30.21 ° C
تاريخ النشر June 13, 2026
A A A
إهدن… حين استُشهد خيارٌ ولم يمت
الكاتب: المحامي زياد رامز الخازن - موقع المرده

في كل عام، عندما يحلّ الثالث عشر من حزيران، لا أستعيد ذكرى من الماضي فحسب، بل أعود بذاكرتي إلى ذلك الصباح البعيد من عام ١٩٧٨.
كنت يومها تلميذاً في مدرسة “القلبين الأقدسين” في جونية، جالساً على مقعد الدراسة داخل الصف، حين فُتح الباب ودخل أحد أبناء زغرتا المقرّبين من المرحوم والدي ليصطحبني مع شقيقي الأكبر جو إلى زغرتا.
لا أذكر تفاصيل الطريق بقدر ما أذكر مشهداً بقي محفوراً في ذاكرتي، قوافل المسلحين العائدة من إهدن باتجاه بيروت بعد ساعاتٍ على المجزرة. كان السائق ينظر إليها بغضب شديد ويتمتم بكلماتٍ قاسية لم أفهم يومها سببها، ثم قال لنا “هؤلاء عائدون من إهدن”. ولم أُدرك ثِقَل تلك العبارة إلا بعد سنواتٍ طويلة، عندما عرفت حجم المأساة التي كانت وراءها.
يومها لم أكن أفهم الكثير مما يجري، لكنني فهمت لاحقاً أن زغرتا لم تكن تبكي شهداءها فحسب، بل كانت تبكي خياراً سياسياً كاملاً.
في ذلك الفجر سقط النائب والوزير الشهيد طوني فرنجيه، وزوجته فيرا، وابنتهما الصغيرة جيهان، ومعهم عشرات الشبان من أبناء زغرتا والقضاء. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المجزرة جزءاً من الذاكرة الجماعية لأهل زغرتا، شأنها شأن الجراح الكبرى التي تبقى حيّة في ذاكرة عائلات الشهداء مهما تعاقبت السنين.
كبرنا في زغرتا على ذكرى ذلك اليوم. كبرنا على أسماء الشهداء وصورهم وقصصهم، وعلى رؤية السواد يلفّ معظم نساء البلدة بعدما خطف منهن ذلك اليوم أباً أو زوجاً أو أخاً أو إبناً. وكبرنا على قناعة راسخة بأن لبنان لا يُبنى بالعزلة، ولا بالرهان على الخارج، ولا بالبحث عن حماية عند هذا المحور أو ذاك.

كان الرئيس الراحل سليمان فرنجيه، يرى أن مستقبل المسيحيين وأمنهم لا يكونان إلا في الشراكة الوطنية الصادقة والانتماء إلى محيطهم العربي. وأذكر جيداً لقاءً جمعه بنا، نحن ثُلَّةٌ من طلاب كليات الحقوق، في قصره في زغرتا، حين عبّر عن قناعةٍ بقيت راسخة في ذهني حتى اليوم، قائلاً “إن قوة المسيحيين في لبنان ليست في الاحتماء بإسرائيل أو بأي قوة أجنبية، بل بتجذرهم بعروبتهم وبقائهم جزءاً أصيلاً من هذا الشرق”.
ولم يكن ذلك مجرد موقف سياسي عابر. فقد وقف سليمان فرنجيه في وجه مشاريع تهجير المسيحيين من لبنان، ورفض كل الطروحات التي كانت تدفعهم إلى البحث عن وطن بديل أو حماية بديلة، مؤمناً بأن مستقبلهم يكون في أرضهم وبين شركائهم في الوطن، وأن لبنان لا يُصان إلا بوحدته وتنوعه وانتمائه الطبيعي إلى محيطه العربي.
لذلك لم تكن مجزرة إهدن بالنسبة إلى كثيرين مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت صراعاً بين رؤيتين للبنان: لبنان الواحد، الحر والمستقل، العربي الهوية والمنفتح على محيطه والعالم، ولبنان الذي دفعت به ظروف الحرب إلى رهانات الانعزال والتقسيم والارتهان للخارج.
وبعد ثمانية وأربعين عاماً، ما زلنا نتمسك بالخيار الذي استشهد من أجله طوني فرنجيه ورفاقه، لبنان السيد الحر الموحّد، القوي بدولته، والمحصّن بوحدة أبنائه.
وهذا الموقف ليس وليد مرحلة سياسية مستجدة، ولا مرتبطاً بظهور أي حزب أو تنظيم. إنه خيار سبق كل الاصطفافات اللاحقة، وحمله رجال آمنوا بلبنان الواحد، وبعروبته، وبحقه في الدفاع عن نفسه وأرضه، وبأن قوة اللبنانيين تكمن في وحدتهم لا في انقساماتهم.
وإذا كان لأهلنا في زغرتا والقضاء أن يستذكروا شهداءهم اليوم، فليس من أجل إحياء الأحقاد أو استعادة جراح الماضي، بل وفاءً للقيم التي استشهدوا من أجلها.
الرحمة للشهيد طوني فرنجيه وعائلته ورفاقه.
والرحمة لجميع شهداء لبنان.
أما الذكرى، فتبقى وفاءً لرجالٍ رحلوا وبقي الخيار الذي استشهدوا من أجله.