Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر February 7, 2026
A A A
إغتيال الطبيعة في جنوب لبنان: الغليفوسات وخراب ما بعد الحرب!
الكاتب: شانتال عاصي - الديار

في قلب الأزمات الوجودية التي تعصف بلبنان، يبرز تهديد صامت يتسلل إلى التربة ومسارب المياه، مهدداً ما تبقى من أمن بيئي وصحي للبنانيين. لم تعد الحرب مجرد أصوات انفجارات أو ركام من الحجر، بل تحولت في فصولها الأخيرة إلى “إبادة بيئية” منظمة تستهدف جوهر الحياة: الأرض. إن ما كشفته التقارير الرسمية لوزارتي الزراعة والبيئة حول استخدام العدو الإسرائيلي مادة “الغليفوسات” بتركيزات كيميائية حارقة وقاتلة فوق الأحراج والسهول الزراعية الجنوبية، يمثل طعنة في خاصرة التوازن الطبيعي. نحن اليوم أمام مشهد جنائزي للطبيعة، حيث تُحقن البيئة بسموم لا تقتل النبات فحسب، بل تمحو ذاكرة الخصوبة من التربة، وتؤسس لخراب بيئي ممتد، يجعل من العودة إلى الحياة الطبيعية في المناطق المستهدفة معركة قد تستغرق أجيالًا.

“الغليفوسات” وتدمير النسيج الحيوي للتربة

لا يمكن النظر إلى استخدام مبيدات الأعشاب بتركيزات عالية كإجراء عسكري عابر، بل هو تدمير منهجي للنظام الإيكولوجي. مادة “الغليفوسات”، التي تُعرف عالميا بقدرتها العالية على الفتك بالنباتات، تُستخدم في هذه الحالة بتركيبات “انتقامية” تهدف إلى إحداث “عقم” في التربة. إن الفقرة الأولى من هذه الكارثة تبدأ من “الميكروبيوم” الخاص بالتربة؛ تلك الكائنات الدقيقة التي تمنح الأرض حياتها وقدرتها على الإنبات. حين تتشبع الأرض بهذه السموم، تموت الديدان والبكتيريا النافعة، مما يؤدي إلى انهيار البنية الفيزيائية والكيميائية للتربة. هذا الانهيار يعني ببساطة أن الأرض لم تعد قادرة على امتصاص المغذيات أو الاحتفاظ بالمياه، مما يحول السهول الخضراء إلى مساحات قاحلة، لا تختلف في جوهرها عن الصحاري الصخرية، وهو ما يصنف بيئياً كـ “تصحير كيميائي قسري” يضرب الأمن الغذائي في مقتله.

السلسلة الغذائية المنكوبة

تتجاوز آثار الرشّ الكيميائي حدود الحقل المستهدف لتشمل جوهر التنوع البيولوجي الذي يشكّل أساس الاستقرار البيئي. فالحشرات الملقِّحة، وفي مقدّمها النحل، تُعدّ الضحية الأولى والأكثر هشاشة في مواجهة هذا النوع من الاعتداءات. وعندما تتعرض الأزهار البرية والمحاصيل الزراعية لمواد كيميائية سامة، يتحول الرحيق الذي يُفترض أن يكون مصدر غذاء، إلى مادة قاتلة، ما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة من النحل وانهيار مستعمراته خلال فترة زمنية قصيرة.

ولا تقتصر خطورة هذا الانهيار على فقدان نوع واحد من الكائنات، بل تمتد لتضرب منظومة التلقيح الطبيعية بأكملها، وهي عملية حيوية تعتمد عليها غالبية المحاصيل والأشجار المثمرة. ومع تراجع نشاط التلقيح، تنخفض إنتاجية الأراضي الزراعية، وتضعف قدرة النظم البيئية على التجدد، ما يهدد الأمن الغذائي المحلي ويحوّل الأزمة البيئية إلى أزمة معيشية واقتصادية في آن واحد.

ويمتد هذا الخلل ليشمل الطيور المهاجرة والمستوطنة، التي تعتمد في غذائها على الحشرات أو البذور والنباتات المتأثرة بالمواد السامة. ومع دخول هذه السموم إلى أجسام الطيور، تتعرض سلاسل التكاثر والانتشار الطبيعي للاختلال، ما يؤدي إلى تراجع أعدادها أو اختفائها التدريجي من بعض المناطق، في مشهد يعكس تفككًا صامتًا للتوازن الحيوي لا يمكن تعويضه بسهولة.

وفي عمق هذا المشهد القاتم، تتلوث السلسلة الغذائية بكامل حلقاتها، بدءًا من التربة التي تمتص المواد الكيميائية، مرورًا بالنباتات التي تختزن بقايا سامة في أنسجتها، وصولًا إلى الإنسان الذي يستهلك هذه المنتجات بشكل مباشر أو غير مباشر. فحتى المحاصيل التي تبدو سليمة ظاهريًا قد تحمل تراكمات سمّية خفية، ما يحوّل الغذاء من عنصر للحياة والصحة إلى ناقل صامت للأمراض المزمنة والعلل الصحية على المدى البعيد، ويضع المجتمع بأكمله أمام خطر بيئي-صحي مركّب يصعب احتواؤه دون تدخل عاجل وجذري.

اغتيال المياه الجوفية: الكارثة المختبئة تحت سطح الأرض

إن الجريمة البيئية الكبرى تكمن في ما لا تراه العين. مع أول هطل للأمطار، تتحول مادة “الغليفوسات” المترسبة على أسطح الأوراق وفي ثنايا التربة إلى محاليل سائلة تتسرب مع مياه الجراف إلى باطن الأرض. لبنان، بطبيعته الكارستية وتكويناته الصخرية المتداخلة، يمتلك نظاماً هيدرولوجياً حساساً يسمح للملوثات بالوصول السريع إلى المياه الجوفية والينابيع. هذا يعني أن الآبار الارتوازية ومصادر مياه الشرب في القرى الجنوبية والبلدات المحيطة باتت عرضة للتلوث الكيميائي بتركيزات تفوق المعايير الدولية بآلاف المرات. إن تسميم الخزانات الجوفية يمثل تهديدا استراتيجيا لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل يمتد لعقود، حيث تظل هذه المركبات مستقرة في المياه، مما يفرض واقعاً مأسويًا يجبر السكان على استهلاك مياه ملوثة تفتك بصحتهم ببطء، أو يهجرون أراضيهم بحثًا عن مصادر مياه آمنة.

الأثمان الصحية الباهظة

هذا ولا يمكن فصل البيئة عن الجسد البشري، فالإنسان هو المتلقي النهائي لكل هذا الدمار الإيكولوجي. إذ، تحذر الدراسات الطبية والبيئية من أن التعرض لهذه التركيزات العالية من السموم الكيميائية، سواء عبر الاستنشاق المباشر أثناء عمليات الرش أو عبر تناول الغذاء والماء الملوثين، يفتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من الأمراض المزمنة والمستعصية. فالغليفوسات مصنف دوليًا كعامل محفز للأورام السرطانية، وبخاصة سرطانات الدم والغدد اللمفاوية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المواد تعمل كـ “مخرّبات هرمونية” تضرب جهاز الغدد الصماء، مما يؤدي إلى زيادة في حالات العقم، والتشوهات الخلقية لدى المواليد، واضطرابات النمو لدى الأطفال. إننا نتحدث عن اعتداء بيئي ذي أبعاد جينية، حيث قد تنتقل آثار هذه السموم عبر الحليب إلى الرضع، وتؤثر في الخريطة الجينية للأجيال القادمة، مما يجعل هذه الكارثة جريمة مستمرة عابرة للزمن لا تكتفي بضرب الحاضر بل ترهن المستقبل الصحي للمجتمع اللبناني.

الاستجابة البيئية الملحة

أمام هذا التوحش الكيميائي، لم يعد التحرك التقني والسياسي مجرد خيار، بل هو واجب وطني وأخلاقي. إن الخطوة الأولى تبدأ بالتوثيق العلمي الدقيق عبر أخذ عينات دورية من التربة والمياه والمحاصيل، ليس فقط لإدانتها دوليًا، بل لوضع خرائط تلوث توضح المناطق التي يجب حظر الزراعة أو الرعي فيها مؤقتًا لحماية الصحة العامة. يتطلب الأمر أيضًا إطلاق حملات “استصلاح بيئي” تعتمد على استخدام مواد عضوية طبيعية قادرة على تفكيك السموم الكيميائية في التربة، ودعم المزارعين في التحول نحو أنظمة زراعية أكثر مرونة وقدرة على الصمود. إن استعادة عافية الأرض اللبنانية تتطلب تكاتفًا بين الأكاديميين والمنظمات البيئية والدولة، لخلق جبهة دفاع بيئية تمنع تحويل لبنان إلى “مختبر للدمار الكيميائي”، وتضمن حق الأجيال القادمة في أرض خصبة، وهواء نقي، ومياه خالية من سموم القتل المنظم.

أخيرًا، إنّ ما يواجهه لبنان اليوم هو تذكير بأن البيئة ليست ترفًا، بل هي أساس وجودنا. فاحتراق شجرة زيتون بالكيماويات ليس مجرد خسارة مادية، بل هو انتزاع لروح الأرض. المعركة اليوم هي معركة وعي وصمود لإعادة الحياة للمساحات الملوثة، ولإثبات أن خضرة لبنان ستبقى دومًا أقوى من سواد سمومهم، فالحق في بيئة سليمة هو مطلب مقدس لا يقبل المساومة.