Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر February 19, 2026
A A A
إسرائيل لا تصدّق «الإيجابية»: طبول حرب مع إيران
الكاتب: يحيى دبوق

كتب يحيى دبوق في الأخبار 

 

طغى في إسرائيل، عقب انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية – الإيرانية، «تشاؤم عميق» بفرص نجاح هذه المفاوضات، وحديث عن تقديرات لدى الأجهزة الأمنية بأن المواجهة باتت «وشيكة» و«لا مفرّ منها». وبدا ذلك بمثابة ردّ فعل على مؤشّرات على «تقارب محتمل» بين طهران وواشنطن، علماً أن المسؤولين الإسرائيليين، من سياسيّين أو أمنيّين، لم يصدروا أيّ تعليقات مباشرة على جولة جنيف، وهو ما يستبطن قراراً رسمياً بعدم الخوض العلني في تفاصيل المسار التفاوضي وملفات التصعيد واحتمالات المواجهة.

غير أن هذا القرار لم يمنع رفع الصوت بشكل غير مباشر، عبر الإعلام العبري، بتسريبات وتقديرات تحمل إحدى الرسالتَين: إمّا التحذير من إمكانية التوصّل إلى اتفاق يقصي الخيارات العسكرية، وينذر بالأسوأ بالنسبة إلى إسرائيل؛ وإمّا التأكيد لصانع القرار الإيراني، وفي الوقت نفسه للجمهور الإسرائيلي، أن تل أبيب جاهزة لتلقّي أي ردّ إيراني في حال الحرب، والردّ عليه بأضعاف ما حدث في مواجهة الـ12 يوماً في حزيران الماضي.

 

فما هي حقيقة الرسالة الإسرائيلية؟ وما الذي يُبنى عليها؟ يبدو أن الموقف الرسمي الأميركي عقب الجولة الثانية استدعى تفاعلاً إسرائيلياً سريعاً، خشية أن تكون المفاوضات قد قرّبت الطرفين من اتفاق لا ترضاه تل أبيب. وكان نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، بالإضافة إلى المتحدثين باسم البيت الأبيض، أجمعوا على الاعتراف بوجود تقدّم تقني في المحادثات، والإقرار بأن الرئيس دونالد ترامب يحتفظ لنفسه بجميع الخيارات بما فيها العسكرية. لا بل إن فانس قال إن المحادثات سارت بشكل «جيد» في بعض الجوانب، وإن طهران لم تعترف بعد ببعض «الخطوط الحمراء» التي حدّدها ترامب، ممّا يبقي الباب مفتوحاً أمام العودة إلى الضغط أو التصعيد في حال تعثّر المسار الدبلوماسي. وتلك صيغة تترك مساحة للتأويل، وهو ما دفع إسرائيل على الأرجح إلى تكثيف الحديث عن أسوأ السيناريوهات.

 

الخروج الإسرائيلي المفاجئ عن قاعدة الصمت يشير إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة حاسمة

 

 

أما على المقلب الإيراني، فقد أعربت طهران عن تفاؤلها بنتائج الجولة الثانية، وسعت، في الوقت عينه، إلى تقديم نفسها شريكاً تفاوضياً جادّاً ومستعدّاً للتفاهم مع الأميركيين. ويبدو أن هذا التباين هو الذي حمل تل أبيب على ما يمكن وصفه بـ«إعادة تصويب البوصلة»، والعمل على تثبيت الصورة النمطية للنظام الإيراني، كطرف لا يسعى إلى الاتفاق بل إلى كسب الوقت والمماطلة التكتيكية، بما يسهم في تقويض مصداقيته، وحتى التأثير على موقف الولايات المتحدة من إيران. إذ يمكن لهذا الخطاب أن يعزّز موقف الجهات الرافضة للتفاوض والمشكِّكة في جدوى المسار الدبلوماسي، ويدفعها إلى ممارسة ضغط أكبر على ترامب للانزياح نحو خيار التصعيد بدلاً من الاستغراق في مسارات تفاوضية، تراها إسرائيل مجرّد استنزاف للوقت ومكسباً مجانياً لطهران.

وعلى أي حال، فالأكيد أن المقاربة الإسرائيلية المشكّكة في جدوى المفاوضات، والداعية إلى التجهز للمواجهة بصفتها حتمية، تشكّل خروجاً عمّا التزمت به تل أبيب خلال الأسبوعين الماضيين من صمت رسمي متحفّظ، سواء في ما يتصل بالمسار التفاوضي أو بالتجهّز للخيارات العسكرية. وهذا الخروج المفاجئ، يشير إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة حاسمة وحرجة قد تفضي إلى اسوأ السيناريوهات من المنظور الإسرائيلي، أو أن فرضياتها باتت شبه متساوية، بين الحلّ والتصعيد.

 

على أن هذه المفارقة تطرح، بدورها، تساؤلات جوهرية حول ما تخفيه الغرف المغلقة، إذ إن المقاربة الإعلامية هي ما تريد تل أبيب أن تظهّره إلى العلن، فيما تبقى مجريات الكواليس بعيدة من الأعين، وهو ما وسم دائماً التنسيق الوثيق بين تل أبيب وواشنطن، والذي يسبق في العادة أي تخطيط أو مبادرة. فهل يعكس التحول الإسرائيلي المفاجئ قلقاً حقيقياً لدى قيادة الاحتلال إزاء مسار المفاوضات، أم أنه يشير إلى تفاهم مسبق يستوجب تهيئة الميدان والرأي العام لمبادرة عدائية محتملة؟ كلا الاحتمالين لا يحولان دون احتمال ثالث، يتمثّل في مزيد من الضغط والتهويل على الجانب الإيراني، في محاولة لدفعه نحو التنازل عن ثوابته.