Beirut weather 23.3 ° C
تاريخ النشر May 12, 2026
A A A
أوروبا لتفاهم أميركي صيني ينهي الحرب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبدو أوروبا وكأنها تتحرك في الظل لصوغ تصور مختلف لمستقبل المنطقة، عنوانه الأساسي: منع الانفجار الكبير، وتحويل التفوق العسكري الأميركي إلى تسوية سياسية قابلة للحياة، بدل الانزلاق إلى حرب مفتوحة مع إيران لا تبدو قادرة على إنتاج نصر نهائي بقدر ما تهدد بإنتاج فوضى عالمية واسعة.

 

– في العواصم الأوروبية، خصوصًا باريس وبرلين، يتزايد الاقتناع بأن الأشهر الماضية كشفت حدود القوة العسكرية مهما بلغت؛ حيث الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا ناريًا هائلًا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: هل تستطيع واشنطن ضرب إيران؟ بل: ماذا بعد الضربة؟ وكيف يمكن منع تحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف طويلة تمتدّ من هرمز إلى البحر الأحمر ولبنان وغزة؟

 

– هذا الإدراك الأوروبي يتقاطع مع قراءة صينية أكثر براغماتية؛ فبكين التي تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه شريان الطاقة والتجارة العالمي، لا ترى مصلحة في حرب طويلة تُغلق الممرات البحرية وترفع أسعار النفط وتدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود. لذلك يبدو أن الصين تقترب من طرح تصور أوسع من مجرد اتفاق نووي تقني، يقوم على فكرة بناء إطار إقليمي جديد لإدارة التوازنات بدل محاولة كسرها بالقوة.

 

– المأزق الأميركي هنا واضح؛ فدونالد ترامب يريد الخروج بصورة المنتصر لا بصورة الرئيس الذي قاد العالم إلى حرب بلا نهاية. هو يحتاج إلى إنجاز سياسي يستطيع تسويقه داخليًا باعتباره نتيجة “الضغط الأقصى”، وفي الوقت نفسه يدرك أن الذهاب إلى حرب شاملة مع إيران قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، من هرمز إلى باب المندب، ومن أسعار النفط إلى الانتخابات الأميركية نفسها.

 

– من هنا يبرز الحديث المتزايد عن “المخرج الصيني”؛ ليس بمعنى أن الصين ستحلّ محل الولايات المتحدة، بل بوصفها الطرف القادر على توفير عنصر لا تملكه واشنطن وحدَها: الضمانات المتبادلة. إيران لا تثق بالوعود الأميركيّة بعد تجارب الانسحاب من الاتفاقات والعقوبات، بينما تحتاج واشنطن إلى صيغة تتيح القول إنه تمّ منع إيران من الاحتفاظ بعناصر القوة النووية الأخطر دون الذهاب إلى احتلال أو حرب استنزاف مفتوحة.

 

– تتردّد أفكار تتعلق بترحيل أو تجميد جزء من مخزون اليورانيوم المخصب ضمن ترتيبات دولية بضمانات صينية، تسمح لترامب بالقول إنه انتزع تنازلًا استراتيجيًا، ولا تتعارض مع استعدادات إيران، لكن الملف النووي ليس سوى الباب إلى ما هو أوسع. فالصين، ومعها جزء متزايد من التفكير الأوروبي، تنظر إلى أزمات المنطقة باعتبارها مترابطة: هرمز، غزة، لبنان، اليمن، العراق، والبحر الأحمر ليست ملفات منفصلة بالكامل، بل أجزاء من نظام إقليميّ مأزوم يحتاج إلى إعادة تنظيم، على قاعدة إدراك أن أميركا فقدت القدرة على إدارة الأمن الاستراتيجي في المنطقة، وربما يكون الرحيل قراراً “تحت الطاولة” مع تموضع قوات باكستانية في السعودية وقوات تركية في قطر ومصرية في الإمارات.

 

– هنا يظهر تصوّر لتشكيل إطار إقليمي قد يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان إلى جانب إيران، برعاية صينية، وبتغطية أميركية غير مباشرة تتعلق بضمان أميركي لضبط “إسرائيل” والتزامها بالاتفاقات. الفكرة الأساسية ليست صناعة تحالف جديد، بل إنشاء توازن إقليمي منظم يمنع الحروب الكبرى ويحول الصراعات المفتوحة إلى مسارات تفاوضية طويلة النفس.

 

– في لبنان مثلًا، قد يعني ذلك العودة إلى تثبيت قرار وقف النار الذي أُعلن في 2024، واستكمال التفاوض عبر القنوات الأميركية، مع ترحيل ملف السلاح خارج جنوب الليطاني إلى تفاهم داخلي لبناني برعاية إقليمية سعودية إيرانية. وفي غزة، قد يتجه الأمر نحو وقف حرب طويل، وصفقة تبادل، وإعادة إعمار، مع إبقاء الحل السياسيّ النهائيّ مؤجلًا. أما هرمز، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى مركز التهديد الأكبر للاقتصاد العالمي، فقد يصبح جزءًا من معادلة جديدة: أمن الملاحة مقابل تخفيف الحصار والاعتراف بإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وبلورة إدارة المضيق بصورة تعبر عن هذه العناوين ضمن الإطار الإقليمي.

 

– أوروبا تنظر إلى هذه السيناريوهات بواقعية متزايدة؛ بعد خبرة الخيبات مع أميركا، والسعي لبناء انفتاح استراتيجي على الصين من بوابة الشراكة في المصالح في غرب آسيا، ومنع روسيا من قطف الثمار. ويقول الأوروبيون إنهم يمثلون القارة التي دفعت أثمان الحرب الأوكرانية من الطاقة والصناعة والنمو الاقتصادي، والتي تدرك أن انفجارًا جديدًا في الخليج قد يكون كارثيًا عليها أكثر مما هو على الولايات المتحدة. ولذلك تميل باريس وبرلين أكثر فأكثر إلى فكرة التسويات الكبرى بدل الحروب المفتوحة.

 

– العقبة الكبرى تبقى “إسرائيل”؛ فقبولها بمنطق “التوازن الإقليمي” الذي تشارك فيه إيران ليس تفصيلًا تقنيًا بل تحولًا استراتيجيًا عميقًا. ولهذا قد تكون قمة بكين المقبلة لحظة اختبار حقيقية: هل يجرؤ ترامب على الذهاب إلى تسوية تحفظ مصالح وصورة أميركا لكنها تضعف مكانة ووزن وصورة “إسرائيل” ومشاريعها؟