Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر April 18, 2026
A A A
أما آن لكم أن تفهموا؟ هذا شعبٌ لا يُهزم
الكاتب: فراس رفعت زعيتر - البناء

منذ عقودٍ طويلة، والمنطقة تعيش على إيقاع صراعٍ لم يكن يوماً مجرد نزاعٍ على حدودٍ أو أرض، بل كان صراعاً على الهوية والوجود والكرامة. في قلب هذا الصراع، وقف لبنان، هذا الوطن الصغير بحجمه والكبير بإرادته، ساحةً متقدمةً للمواجهة، ودفع أثماناً باهظةً من دم أبنائه وخراب أرضه. ومع ذلك، لم يكن أخطر ما واجهه هذا البلد هو العدوان الخارجي وحده، بل أيضاً ذلك التلاقي الداخلي مع مشروع العدو، حيث ارتفعت أصواتٌ لبنانية في لحظةٍ من التاريخ، لا تكتفي بتحميل الضحية مسؤولية ما يجري، بل تذهب أبعد من ذلك، لتتلاقى علناً مع الرواية الإسرائيلية، وتدعو عملياً إلى سحق جزءٍ من شعبها وإنهاء وجوده.
خمسة عشر شهراً من الصمت الذي التزمت به المقاومة، رغم الاعتداءات والانتهاكات اليومية، ورغم الدم الذي سُفك حتى بلغ مئات الشهداء. خمسة عشر شهراً، كان يُفترض أن تُقرأ كدليل قوةٍ وضبط نفس، لكن هذا الفريق قرأها ضعفاً، واعتبرها بداية النهاية، وراح يروّج، مع العدو، لروايةٍ واحدة: أنّ المقاومة انتهت، وأنّ بيئتها استُنزفت، وأنها لم تعد قادرة حتى على إطلاق صواريخ معدودة. ثم جاءت اللحظة التي سقط فيها هذا الوهم. ستة صواريخ فقط، كانت كفيلة بكسر معادلةٍ كاملة. لم تكن المسألة في عددها، بل في معناها: ما ظننتموه موتاً كان اختزاناً للقوة، وما اعتبرتموه نهايةً كان بدايةً جديدة.
اندلعت الحرب، وكان الثمن، كما في كلّ الحروب، دماً ودماراً. لكن ما جرى بعدها لم يكن عادياً. على مدى ما يقارب الشهرين، خيضت مواجهةٌ كشفت حقيقةً صادمةً لمن بنى حساباته على الأوهام. صواريخ طالت كامل مساحة الكيان، واشتباكات برية أظهرت عجزاً واضحاً، وأهدافٌ عسكريةٌ تراجعت من طموحاتٍ كبرى إلى محاولة تحقيق إنجازٍ محدودٍ في مدينة بنت جبيل. هناك، حيث حُشدت الإمكانات، وفُرض الحصار، ودارت المعارك لأيامٍ وأسابيع، وقف مئات المقاومين بثباتٍ أسقط كلّ الرهانات، ومنعوا العدو من تحقيق حتى هذا الهدف المحدود، ليتحوّل ما أراده إنجازاً إلى عنوان فشلٍ جديد.
في تلك اللحظات، لم يعد السؤال لماذا لم ينتصر العدو، بل كيف فشل رغم كلّ ما حشد من قوة. تأجيلٌ لوقف إطلاق النار مرةً بعد أخرى، على أمل تحقيق صورة نصرٍ تحفظ ماء الوجه، ثم رضوخٌ للواقع: لا إنجاز يُذكر، ولا هدف تحقق. وقف إطلاق نارٍ لم يكن منّة، بل نتيجة صمودٍ ميداني، وثباتٍ شعبي، وقيادةٍ سياسية أدارت المرحلة بوعيٍ وخبرة، وكان على رأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي قاد هذه المرحلة بحنكة العارف وخبرة السياسي المتمرس وحرص الأب على شعبه وأرضه.
وعلى رأس هذا المشهد، برز عاملٌ حاسم، تمثّل في موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي لم تتعامل مع ما يجري في لبنان كملفٍ منفصل، بل كجزءٍ من معادلةٍ إقليمية أوسع. ففي ظلّ المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، ووسط الحديث عن تسويةٍ مرتقبة بين الطرفين، وضعت إيران شرطاً واضحاً لا لبس فيه: لا تسوية، ولا تقدّم في أيّ مسار تفاوضي، من دون وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار، يشمل لبنان بشكلٍ أساسي.
هنا، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلةٍ معاكسة لما أرادت فرضه. فهي التي تسعى إلى إنهاء التوتر مع إيران بأسرع وقت، اضطرت إلى ممارسة الضغط على “إسرائيل” لتحقيق هذا الشرط. ومن هذا السياق تحديداً، جاء الضغط الأميركي على حكومة نتنياهو لوقف إطلاق النار في لبنان، ليس انطلاقاً من عجزٍ ذاتي فقط، بل أيضاً استجابةً لمطلبٍ إيراني واضح، فرض نفسه على طاولة التفاوض.
ورغم ذلك، حاول نتنياهو المناورة. طلب التأجيل مرةً بعد أخرى، على أمل تحقيق إنجازٍ ميداني ولو محدود في بنت جبيل، يقدّمه كصورة نصر قبل الذهاب إلى وقف إطلاق النار. لكنه فشل في المرتين، وسقط رهانه أمام صمود الميدان، ليجد نفسه في نهاية المطاف مضطراً للقبول بوقف إطلاق نارٍ دون أيّ إنجاز يُذكر، بل بعد إخفاقٍ واضح.
لكن ما لم يفهمه كثيرون بعد، أنّ هذه المواجهة لا تُقاس بالأرقام فقط، ولا تُفهم بمنطق الخسائر المادية وحده. هذه بيئةٌ تنتمي إلى مدرسةٍ مختلفة، مدرسة كربلاء، حيث لا يُقاس النصر بعدد الباقين أحياء، بل بمدى الثبات على المبدأ. حين وقف الإمام الحسين عليه السلام في وجه الظلم، لم يكن يملك موازين القوة التقليدية، لكنه امتلك ما هو أبقى: وضوح القضية، واستعداد التضحية، والإيمان بأن الدم يمكن أن يكون طريقاً للانتصار.
من هنا، تتشكل معادلةٌ يعجز خصوم هذه البيئة عن فهمها: هؤلاء لا يُهزمون حين يُقتلون، بل يرون في الشهادة ذروة الانتصار. لا يقيمون مآتم للهزيمة، بل أعراساً للشهداء. لا يقيسون النتائج بعدد البيوت المهدمة، بل بقدرتهم على البقاء في أرضهم، وعلى إفشال أهداف العدو. قاعدتهم في الحياة واضحة وبسيطة، لكنها عميقة إلى حدٍّ لا يُدركه من ينظر بعينٍ مادية: أنا أقاوم، إذاً أنا موجود.
إلى أولئك الذين راهنوا على كسر هذه البيئة، في الداخل والخارج، إلى من ظنّ أنّ الحصار والدم والضغط يمكن أن يُنتج استسلاماً: أما سئمتم؟ أما تعبتم من تكرار التجربة ذاتها، والاصطدام بالنتيجة نفسها؟ كم مرةً تحتاجون لتدركوا أنّ هذا الشعب لا ينكسر، وأنّ هذه البيئة لا تُهزم، وأنّ من يرى الشهادة حياة لا يمكن إخضاعه بمنطق الموت؟
لقد أخطأتم التقدير، لأنكم لم تفهموا من تواجهون. ظننتم أنّ المعركة مع قوةٍ عسكرية يمكن استنزافها، بينما هي في الحقيقة مع ثقافةٍ وعقيدةٍ ووعيٍ جمعيٍّ متجذر. كيف يمكنكم أن تتخيّلوا هزيمة أناسٍ يرون في دمائهم طريقاً للنصر؟ وكيف تراهنون على إخضاع من يعتبر أنّ الخسارة الوحيدة هي التخلي عن المبدأ؟
الحقيقة التي تتكرّر، مرةً بعد مرة، أنّ هذه البيئة لا تُكسر. قد تُجرح، نعم. قد تدفع أثماناً باهظة، نعم. لكنها لا تنهار. بل تخرج في كلّ مرةٍ أصلب، وأوضح، وأكثر يقيناً. لذلك، فإنّ الرسالة اليوم ليست تحدياً بقدر ما هي دعوةٌ إلى الاعتراف بالواقع: هذا المجتمع لن يُمحى، وهذه المقاومة لن تُلغى، وهذه الأرض لن تُترك.
سيبقون، بدماء شهدائهم، وبثقافتهم، وبإيمانهم، وسيكونون كما كانوا دائماً أسياداً، لا لأنهم لم يدفعوا الثمن، بل لأنهم دفعوه، ولم ينكسروا…