Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر April 28, 2026
A A A
أقلّ من 10% نالوا دعماً مالياً من «الشؤون»: أين تذهب أموال الدول المانحة للنازحين؟
الكاتب: ندى أيوب

كتبت ندى أيوب في الأخبار

تكشف المُعطيات المُتاحة من داخل وزارة الشؤون الاجتماعية نفسها محدودية الاستجابة المالية لحجم أزمة النزوح، إذ تبيّن أنّ الوزارة قدّمت مساعدات نقدية لنحو 9.8% فقط من النازحين خلال شهرَيْ آذار ونيسان، بقيمة لا تتجاوز 145 دولاراً شهرياً للعائلة المؤلّفة من خمسة أفراد.

 

ويظهر ذلك من خلال التدقيق في البيانات الرسمية الصادرة منذ اندلاع الحرب في 2 آذار. ففي 11 آذار، أعلنت الوزارة تحويل أموال إلى 84,851 أسرة مستفيدة من برنامج «أمان»، وهو برنامج دعم اجتماعي مُخصّص أصلاً للأسر الأكثر فقراً في لبنان، ما يعني أنّ هذه التحويلات لا يمكن احتسابها كمساعدات إضافية مرتبطة مباشرة بأزمة النزوح، إذ إن هذه الأسر كانت مستفيدة من البرنامج قبل الحرب، وهي موزّعة على مختلف المناطق، وليست حصراً من الشريحة النازحة.

 

وفي 30 آذار، أعلنت الوزارة تحويل مساعدات إلى 19,724 أسرة إضافية ضمن «أمان»، ما يشير إلى أنّ نحو 17,724 عائلة نازحة دخلت حديثاً إلى البرنامج. وفي 20 نيسان، ارتفع عدد الأسر المستفيدة إلى 104,636 أسرة. وباحتساب الزيادة مُقارنة بعدد المستفيدين قبل الحرب، يتبيّن أنّ نحو 19,785 أسرة أُضيفت نتيجة الأزمة، أي نحو 98,925 نازحاً (على أساس متوسط خمسة أفراد للأسرة الواحدة)، وهو ما يشكّل نحو 9.8% من أصل مليون نازح، علماً أنّ التقديرات الفعلية تشير إلى نحو 1.2 مليون نازح.

 

وتُظهِر بيانات التمويل أنّ الفجوة لا تعود إلى نقص الموارد بقدر ما ترتبط بآليات الإنفاق. فبحسب «النداء الإنساني العاجل» الذي أطلقته الحكومة في 13 آذار، بلغ مجموع التعهّدات المالية من الجهات المانحة نحو 102.9 مليون دولار، أي ما يغطّي 33.4% من إجمالي الاحتياجات المُقدّرة بـ308.3 ملايين دولار، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).

 

غير أنّ اللافت أنّ ما صُرف فعلياً من هذا المبلغ لا يتجاوز 596 ألف دولار، فيما لا تزال أكثر من 102 مليون دولار مُتاحة للاستخدام. هذا التفاوت بين الأموال المتوفّرة وتلك المصروفة يشير إلى أن المبلغ المُستخدم لمساعدة النازحين هزيل جداً، وإلى أنّ الوزيرة حنين السيد، والمسؤول عنها في هيكلية الاستجابة الرئيس نواف سلام، يعتمدان تقنين الإنفاق وتشديد المعايير في مقاربة تُنسب إلى السيد المتأثّرة بسياسات البنك الدولي.

 

واقع النزوح يفرض مقاربة أكثر فاعلية لمواكبة أكثر من مليون لبناني أمضوا الشهر الثاني من الحرب بعيداً عن منازلهم ومصادر رزقهم، من دون أي مؤشرات إلى انفراج قريب. وتُظهِر الأرقام المتوافرة أن معظم النازحين المقيمين في مراكز الإيواء لم يعودوا بعد إلى بلداتهم. فحتى 16 نيسان، أي قبل يوم واحد من إعلان وقف إطلاق النار، كان عدد النازحين في 690 مركز إيواء قد بلغ 141,733 شخصاً. وفي صباح اليوم الأول من وقف إطلاق النار، غادر 30,156 نازحاً فقط، أي ما نسبته 21.2% من المقيمين، لتنخفض الأعداد إلى 111,577 نازحاً موزّعين على 659 مركزاً.

 

غير أن أعداد النازحين، وفقاً لآخر تقرير لوحدة إدارة الكوارث صدر مساء أمس، ارتفعت مجدداً إلى 114,534 في 616 مركز إيواء، ما يعني أن ثلاثة آلاف نازح عادوا إلى المراكز في الفترة بين اليوم الأول لوقف إطلاق النار وأمس. وبالتالي، يتواجد حالياً في مراكز الإيواء 80.8% من إجمالي عدد النازحين الذين كانوا في مراكز الإيواء قبل وقف إطلاق النار، في ظلّ تصاعد العدوان الإسرائيلي، الذي بدأ يشتد اعتباراً من ليل السبت.

 

وزارة الشؤون تريد السطو على المساعدات «الثابتة» للنازحين!

 

 

ويتقاطع ذلك مع موجة نزوح جديدة من بعض المناطق. ويشير الناشط جمال ترو، ابن برجا، إلى أنّ الاتصالات لم تتوقف عصر الأحد لطلب لتأمين منازل للإيجار، في وقت لم يعد فيه أي منزل شاغراً في البلدة التي استقبلت عشرات آلاف النازحين منذ 2 آذار، ولم يغادر معظمهم حتى الآن. ويلاحظ ترو، الذي نشط إنسانياً خلال عدوان أيلول 2024، فارقاً كبيراً بين تلك المرحلة والحرب الحالية، سواء على مستوى التفاعل الشعبي أو القدرة على تقديم المساعدات الإغاثية والهبات المالية والعينية، وهو ما يعزوه إلى أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، أكثر منه إلى اعتبارات سياسية.

 

الأمر نفسه تؤكّده فرح أبي مرشد، من جمعية «نون التضامن» التي قدّمت خلال عدوان 2024 خدماتها لنحو 12 ألف شخص، بينما لا تتجاوز قدرتها اليوم خدمة نحو 6 آلاف نازح، أي ما يعادل نحو 2% فقط من إمكاناتها في العام الماضي، نتيجة التراجع الحادّ في التبرّعات، سواء داخل لبنان أو من خارجه.

 

إلى ذلك، أفادت أكثر من جمعية محلية ناشطة في دعم النازحين، بوقوع إشكالات بينها وبين مندوبي وزارة الشؤون الاجتماعية داخل مراكز الإيواء، على خلفية إصرار عدد من المندوبين على أنّ المساعدات «الثابتة» التي تقدّمها هذه الجمعيات – كالأسرّة، الثلاجات الصغيرة، الكراسي المتحرّكة، مواقد الغاز الصغيرة، والمستلزمات المطبخية – لا يحق لها استردادها عند انتهاء النزوح، كما لا يجوز للنازحين اصطحابها عند مغادرتهم مراكز الإيواء.

 

وبحسب شهادات من أكثر من ثلاث جمعيات، أكّد مندوبو «الشؤون» أنّ هذه المساعدات تُعتبر من ممتلكات الوزارة وينبغي أن تُنقل لاحقاً إلى مستودعاتها باعتبار أنّها «قُدّمت لمراكز النزوح». ولدى مطالبتهم بإبراز الأساس القانوني لهذه الإجراءات، لم يتمكّنوا من تقديم أي سند قانوني يجيز اعتبار المساعدات ملكاً للمدارس أو للوزارة.

 

في المقابل، تؤكّد الجمعيات أن من حقّها، حصراً، أن تقرّر آلية توزيع المساعدات، سواء بوهبها للعائلات أو إعارتها، ولا سيما أنّ تمويلها يأتي من مواردها الخاصة أو من تبرّعات خُصِّصت للنازحين أنفسهم لا لمراكز الإيواء.

 

ودفع إصرار المندوبين عدداً من الجمعيات إلى التوقّف عن تقديم هذا النوع من المساعدات، أو إلى اعتماد صيغة «الإعارة» للعائلات النازحة، مع التأكيد على استردادها عند انتهاء النزوح، وتوثيق حقّها عبر إيصالات خطية تُحدِّد طبيعة المستلزمات المُقدَّمة وكمياتها. وحرم ذلك عدداً من العائلات النازحة من الاستفادة من هذه المساعدات، في وقت تعاني فيه من ظروف اقتصادية ومالية قاسية، خصوصاً أن غالبيتها فقدت منازلها، وستكون، حكماً، ضمن الفئات الأكثر حاجة إلى الدعم بعد انتهاء الحرب.