Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر January 28, 2026
A A A
أشجار لبنان في خطر… دفء الشتاء يترك أثراً بيئياً قاتلاً
الكاتب: شانتال عاصي - الديار

 

مع اشتداد البرد في لبنان خلال فصل الشتاء الحالي، عادت مواقد الحطب لتتصدر مشهد التدفئة في آلاف المنازل، لا بوصفها خيارا تقليديا فحسب، بل كحلّ اضطراري فرضته الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المحروقات.

غير أن هذا الدفء المؤقت يخفي وراءه كلفة بيئية ثقيلة، تتجلى في تدهور الغابات، وتلوث الهواء، وتسارع فقدان الثروة الحرجية التي لطالما شكّلت رئة لبنان الطبيعية.

شتاء دافئ بثمن بيئي باهظ

مع اشتداد البرد في لبنان خلال هذا الشتاء، عادت مواقد الحطب لتتصدر مشهد التدفئة في آلاف المنازل، ليس كخيار تقليدي فحسب، بل كحلّ اضطراري فرضته الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المازوت والغاز إلى مستويات قياسية. بالنسبة للعائلات، يمثل الحطب دفئا مؤقتا يخفف من قسوة البرد، ويمنح الأطفال لحظات من الراحة والطمأنينة في ليالي الشتاء الطويلة. إلا أن هذا الدفء، رغم أهميته الفورية، يحمل وراءه ثمنًا بيئيًا باهظًا لا يُرى بالعين المجردة، إذ يمتد أثره على الغابات والتربة والمناخ المحلي بشكل كبير.

فالحرائق الصغيرة داخل المواقد هي مجرد جزء من المشكلة، فالطلب المتزايد على الحطب يؤدي إلى قطع أشجار معمّرة وبطيئة النمو، مثل السنديان والبلوط والصنوبر، والتي تمثل حجر الأساس في الغطاء الحرجي للبنان. هذه الأشجار ليست مجرد مصدر خشب، بل تعمل كـ”مصافي طبيعية» للهواء، وتخزن كميات هائلة من الكربون، وتساعد على تنظيم دورة المياه المحلية، وتثبيت التربة لمنع الانجرافات والانهيارات الأرضية التي تزداد حدتها في فصل الشتاء بسبب الأمطار الغزيرة.

مع كل شجرة تُقطع، تتضاءل قدرة الغابات على أداء هذه الوظائف الحيوية، ويتعرض التوازن البيئي للهشاشة. كما يؤدي استنزاف الأشجار المعمّرة إلى فقدان موائل طبيعية لكائنات برية، من الطيور والحشرات إلى الثدييات الصغيرة، ما يهدد التنوع البيولوجي المحلي الذي يحتاج إلى عقود لاستعادته. بالإضافة إلى ذلك، يساهم حرق الحطب في تلوث الهواء عبر إطلاق الجسيمات الدقيقة وأكاسيد الكربون، وهو ما يزيد من مخاطر الأمراض التنفسية خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن، ويجعل ليالي الشتاء أكثر خطورة على الصحة العامة.

التدفئة بالحطب: حلّ معيشي

أم أزمة بيئية مُتفاقمة؟

مع كل شتاء قارس في لبنان، يتحوّل الحطب من مجرد خشب إلى رمز للبقاء والدفء، خاصة في ظل الانقطاع المتكرر للكهرباء وارتفاع أسعار المازوت والغاز. يلجأ اللبنانيون، لا رغبةً في التقليد أو العودة إلى الماضي، بل بدافع الضرورة، إلى المواقد القديمة لتدفئة منازلهم وأطفالهم، مطمئنين مؤقتًا إلى الدفء الذي توفره النار. غير أن هذا الحل المؤقت يحمل في طياته ثمنًا بيئيًا باهظًا، إذ يتحول كل جذع يُقطع إلى فقدان جزء من غابات لبنان التي لطالما شكّلت رئته الطبيعية وموئلًا للكائنات الحية.

ويزيد من خطورة الوضع أن الضغط على الغابات هذا الشتاء فاق كل الأعوام السابقة، في ظل غياب الرقابة الفعلية وتطبيق القوانين التي تنظّم قطع الأشجار، مما جعل مشهد الجبال اللبنانية مقلقًا، إذ تتعرض مساحات واسعة من الأحراج للقطع الجائر. ومع كل شجرة تُسلب من الأرض، تتضاءل قدرة الغابات على تنظيم المناخ المحلي، وحماية التربة من الانجراف، والحفاظ على التنوع البيولوجي. يصبح الدفء في المنزل إذن دفئًا قصير المدى، لكنه يترك وراءه أثرًا طويل الأمد على البيئة وعلى مستقبل الأجيال القادمة.

تلوث الهواء: خطر صامت

في ليالي الشتاء

لا تقتصر أضرار التدفئة بالحطب على الغابات وحدها، بل تمتد لتطال الهواء الذي نتنشقه وصحة كل فرد في المجتمع. فاحتراق الحطب في المواقد التقليدية، خصوصًا غير المجهّزة بفلاتر حديثة، يطلق كميات هائلة من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة مثل أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، ما يجعل الهواء في داخل وخارج المنازل مشبعًا بالتلوث.

وفي ليالي الشتاء الباردة، تتفاقم المشكلة بسبب ظاهرة الانقلاب الحراري، التي تحبس الملوّثات قرب سطح الأرض، فتتحول القرى والبلدات الجبلية إلى مساحات أشبه بـ”غرف مغلقة بالدخان”، حيث يصبح التنفس أشبه بالمعركة اليومية بين الإنسان والملوثات. الأطفال، وكبار السن، ومرضى الربو والأمراض التنفسية يتحملون العبء الأكبر، إذ تتفاقم لديهم الأعراض، ويزداد خطر المضاعفات الصحية.

ولا يقتصر الضرر على الإنسان وحده، فهذه الملوثات تؤثر أيضًا على البيئة المحيطة، حيث تتفاعل مع الرطوبة والأمطار لتشكل أحماضًا خفيفة تضر بالنباتات وتسرّع من تآكل التربة، وتضعف قدرة الغابات على أداء وظائفها الطبيعية في تنقية الهواء وامتصاص الكربون. بهذا، تتحول مواقد الدفء المؤقتة إلى تهديد مزدوج: أزمة صحية للإنسان وأزمة بيئية للغابات والهواء، ما يجعل الحاجة إلى حلول تدفئة أكثر أمانًا ووعيًا بيئيًا أمرًا عاجلًا لا يحتمل التأجيل.

الأشجار الأكثر تضرراً

في قلب الغابات اللبنانية، تقف أشجار السنديان والبلوط والصنوبر واللزاب صامتة، شاهدة على قرون من التاريخ والطبيعة، قبل أن تصبح ضحية الحاجة الماسة للدفء في ليالي الشتاء القاسية. هذه الأشجار ليست مجرد مصدر للحطب، هي حراس الطبيعة، فهي تمنح الهواء نقاءً، تخزّن الكربون، وتحافظ على دورة المياه، كما توفر مأوى للكائنات الحية التي تعتمد عليها لتستمر الحياة في الغابات. عندما تُقطع هذه الأشجار المعمّرة، لا نخسر خشبا فحسب، بل نفقد عقودا من الخدمات البيئية التي شكلت رئة لبنان الطبيعية وموطنا للحياة البرية، وهو ما لا يمكن تعويضه بزراعة شتلة صغيرة مهما طال الوقت.

إنّ تأثير القطع يمتد بعيدا عن الأشجار نفسها، فمع كل شجرة تُسلب، تهتز التربة، وتزداد مخاطر الانجراف والتصحر، وتتراجع قدرة الغابات على امتصاص الأمطار ودرء الفيضانات والانهيارات الأرضية، خصوصًا في المناطق الجبلية. يصبح الدفء الذي نشعر به في منازلنا لحظيا ومؤقتا، مقابل خسارة بيئية طويلة المدى تهدد التوازن الطبيعي والغذاء والماء والحياة البرية. باختصار، كل جذع يُقطع يحكي قصة دفء إنساني قصير… وثمن باهظ تدفعه الطبيعة والصحة العامة، في تذكير صارخ بأن راحتنا المباشرة لا يمكن أن تتحقق على حساب الأرض التي تمنحنا الحياة.

شتاء هذا العام: ناقوس خطر بيئي

ما يميّز شتاء هذا العام هو التقاء برودة الشتاء القاسية مع أزمة اقتصادية وارتفاع غير مسبوق في أسعار المحروقات، ما دفع آلاف اللبنانيين للجوء إلى التدفئة بالحطب كخيار وحيد متاح. لكن هذا التوجه المؤقت، الذي يوفر الدفء داخل المنازل، يطرح ناقوس خطر بيئي صاخبا، إذ تزامن مع ضعف غير مسبوق في قدرات الدولة على المراقبة وحماية الغابات، وغياب بدائل مدعومة ومستدامة للطاقة. نتيجة لذلك، تُركت الغابات اللبنانية لمصيرها، تواجه القطع العشوائي والاستنزاف المستمر لشجراتها المعمّرة، وهو ما يترك أثرًا طويل المدى على التوازن البيئي.

ويحذر خبراء البيئة من أن استمرار هذا النهج لا يؤدي فقط إلى تراجع الغطاء الحرجي، بل يسرّع أيضا التصحر وفقدان التنوع البيولوجي، ويهدد موائل الحيوانات والنباتات المحلية التي تشكّل جزءا من هوية لبنان الطبيعية والثقافية. كما أن تراجع الغابات يؤثر مباشرة على الموارد المائية، ويضعف قدرة التربة على امتصاص الأمطار، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية. هذا الواقع لا يهدد البيئة وحدها، بل يمتد أثره إلى جودة الحياة اليومية للإنسان، والسياحة، والزراعة، وحتى المناخ المحلي.

 

أخيراً، يبقى دفء الشتاء في منازلنا ثمنًا باهظًا على الغابات والهواء والتنوع البيولوجي في لبنان، مع فقدان عقود من الخدمات البيئية لكل شجرة تُقطع. الحل يكمن في دعم البدائل المستدامة للتدفئة، حماية الغابات، وإعادة التشجير، فحماية الطبيعة ليست رفاهية، بل ضمان للهواء النقي والماء والحياة المتوازنة، وطريقة لتبقى لبنان خضراء حتى في أشد ليالي الشتاء برودة.