Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر July 16, 2026
A A A
أسبوع جديد من الحرب والجواب بأرقام العبور
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

منذ عودة المواجهة العسكرية، بدا أن الهدف الأميركي لم يكن مجرد حماية الملاحة في مضيق هرمز، بل فرض معادلة جديدة تنتزع من إيران القدرة على التحكم بأهم شريان للطاقة في العالم. فواشنطن دفعت بقوات بحرية إضافية، ووسّعت الغطاء الجويّ، وأعلنت إنشاء ممر جنوبي محمي داخل المياه العُمانية، على أساس أن القوة العسكرية قادرة على إعادة حركة الناقلات إلى طبيعتها، وإثبات أن إيران فقدت ورقة الضغط الأهم في أي مواجهة إقليمية.

لكن حصيلة الأسبوع الأول جاءت مغايرة للتوقعات. فبيانات شركات تتبع الملاحة، وفي مقدمتها Kpler وLloyd’s List، أظهرت يوماً بعد يوم أن الحركة التجارية لم تستعد ثقتها بالممر الأميركي. ففي 8 تموز لم تُرصد سوى 14 ناقلة نفط وغاز، وفي 9 تموز انخفض العدد إلى 10، ثم إلى 6 ناقلات فقط في 12 تموز، بينما سجّل 14 تموز عبور 11 سفينة من مختلف الأنواع، كانت تسع منها مرتبطة بالتجارة الإيرانية، ولم تُسجّل حركة اعتيادية لناقلات النفط التابعة لدول الخليج غير الإيرانية. أما خلال الأسبوع الممتد بين 8 و15 تموز، فلم ينجح الممر الأميركي في تأمين عبور أكثر من ثمانية ملايين برميل من النفط غير الإيراني، أي بمعدل يقارب مليون برميل يومياً، مقارنة بتدفقات طبيعية تقارب عشرين مليون برميل يومياً قبل الأزمة. وفي المقابل، بقي خام برنت يدور حول 86 دولاراً للبرميل، بما يعكس أن الأسواق لم تقتنع بأن حرية الملاحة قد عادت بالفعل. وإذا كانت هذه الأرقام تفرض سؤالاً استراتيجياً: ماذا بعد؟ وإذا كانت الضربات الجوية والبحرية لم تنجح في كسر قدرة إيران على ردع الملاحة، فما البديل؟

الخيار الأول هو الانتقال إلى عملية برية تستهدف السواحل والجزر الإيرانية المشرفة على المضيق، من قشم إلى لارك وهرمز، وصولاً إلى مواقع الصواريخ والرادارات ومنصات المسيّرات. لكن هذا الخيار لا يشبه غارة أو حملة جوية، بل يعني حرب استنزاف تمتد أشهراً، تتطلب السيطرة على مواقع ساحلية واسعة وتأمينها، مع احتمال تعرّض القوات الأميركية لهجمات متواصلة. والأهم أن هذه الأشهر ستكون، عملياً، أشهراً من اضطراب الملاحة أو إغلاق المضيق، بما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية عالمية يصعب على واشنطن وحلفائها تحملها.

الخيار الثاني هو مواصلة الضربات الحالية على أمل أن تتغير حسابات طهران. إلا أن حصيلة الأيام الماضية توحي بأن تكرار الوسائل نفسها سيقود إلى النتائج نفسها: قدرة على إلحاق الأذى، لكن من دون إعادة الثقة إلى شركات الشحن أو إعادة تدفق النفط إلى مستواه الطبيعي.

يبقى الخيار الثالث، وهو العودة إلى التفاوض تحت النار. أي الإبقاء على الضغط العسكريّ، مع فتح قنوات سياسية جديدة لإحيائها بمذكرة التفاهم السابقة، والبحث عن صيغة تعيد فتح المضيق مقابل تفاهمات أوسع تتصل بالعقوبات، وتصدير النفط، وترتيبات الأمن البحري. وهذا الخيار يزداد حضوراً كلما اتضح أن الحل العسكري الخالص لا يحقق الهدف السياسي المطلوب.

داخلياً، تبدو هذه التطوّرات ذات أثر مباشر على موازين القوى داخل إدارة دونالد ترامب. فالمقاربة التي ارتبطت بوزير الخارجية ماركو روبيو، والقائمة على تعظيم الضغط وإجبار إيران على التراجع بالقوة، فقدت جزءاً مهماً من زخمها السياسي، ولا سيما بعد غياب السيناتور ليندسي غراهام الذي كان يمثل أبرز داعمي هذا الخيار داخل المؤسسة الجمهورية. وفي المقابل، عاد نائب الرئيس جي دي فانس إلى الواجهة، حاملاً مقاربة أكثر ميلاً إلى احتواء التصعيد والعودة إلى التفاوض متى أثبتت الوقائع حدود القوة العسكرية.

وهكذا، لم يعد السؤال المطروح في واشنطن كيف تُفتح هرمز بالقوة، بل ما إذا كانت كلفة انتزاع المضيق من يد إيران تتجاوز بكثير كلفة العودة إلى التفاوض معها. فبعد أسبوع من التصعيد، لم تثبت الوقائع أن المضيق عاد إلى العمل بصورة طبيعية، بل أثبتت أن السيطرة العسكرية على البحر لا تكفي إذا بقيت شركات الشحن مقتنعة بأن المخاطر ما زالت أكبر من احتمالات العبور الآمن.