Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 3, 2026
A A A
أزمة الديزل قد تفجّر العالم… والعالم لا يستطيع انتظار خيارات ترامب

كتب ناصر قنديل:

كشف التحذير الموجّه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى قادة الدول الأوروبية للإفراج عن مخزوناتهم من الديزل، اعترافاً بعمق أزمة سوق النفط العالمية، وتكشف أسعار الديزل حجم الخطر الذي يتفاقم سياسياً واجتماعياً في عشرات دول العالم وتضعه على حافة الانفجار، ويكفي النظر إلى ارتفاع الأسعار بنسب تقارب 100% ومواصلة الارتفاع دون تراجع إلى ما ينتظر العالم وفق تحذيرات صندوق النقد الدولي من انهيار عشرات الحكومات واندلاع الاحتجاجات في أكثر من مئة دولة.

يستهلك العالم نحو 28–29 مليون برميل يومياً من الديزل والغازويل، أي قرابة عشرة مليارات برميل سنوياً. وهذا الوقود يشغّل الشاحنات والآليات الزراعية ومعدات البناء وأجزاء واسعة من الصناعة وتوليد الكهرباء. لذلك فإن أزمته تنتقل إلى أسعار الكهرباء والغذاء والنقل والإنتاج، وتصبح ضغطاً على الاقتصادات والمجتمعات والحكومات. ولأجل فهم هذه الأزمة، ثم اختبار الرواية الأميركية عن فتح مضيق هرمز، يجب البدء من كيفيّة تغطية هذا الاستهلاك، وموقع الخام والمصافي والتجارة الدولية في تأمينه.

تُغطّى حاجة العالم إلى الديزل عبر ثلاثة مسارات: خام محليّ تكرّره المصافي داخل البلد المنتج، وخام مستورد تكرّره مصافي البلد المستهلك، وديزل جاهز يُستورد من مصافي البلدان المصدّرة أو من مصافي تجارية عبر العالم. وهذه المسارات تتداخل؛ فقد تنتج دولة النفط وتستورد بعض المشتقات، وقد تستورد دولة الخام وتصدّر جزءاً من منتجات مصافيها. لذلك لا يمكن قراءة السوق من جدول صادرات الديزل وحده. فهذا الجدول يحصي الوقود الذي يعبر الحدود بعد تكريره، بينما يبقى خارج حسابه الديزل الذي يُنتج محلياً من خام مستورد.

قبل حرب إيران، كانت منطقة الشرق الأوسط تؤمّن نحو 19% من صادرات الديزل العالمية، وأميركا الشمالية نحو 15%، وروسيا نحو 11%، وفق بيانات كبلر المنشورة. وهذه حصص التجارة الدولية، وليست حصصاً من كامل الاستهلاك العالمي. لذلك فإن القول إن روسيا كانت تؤمّن عُشر السوق يحتاج إلى تحديد المقام، إنها تؤمّن قرابة عُشر الصادرات، بينما تُغطّى بقية الحاجة عبر الإنتاج المحلي والتجارة مع الموردين الآخرين. ولا يجوز الانتقال بين هذين المستويين وكأنهما رقم واحد.

هنا تظهر أهمية هرمز التي تتجاوز حصة الخليج من تجارة الديزل الجاهز. فالمضيق يحمل المشتقات المنتجة في المصافي الخليجيّة، ويحمل أيضاً الخام الذي تستورده دول أخرى لإنتاج مشتقاتها. عندما تتعطّل هذه الإمدادات، تواجه السوق خسارتين مترابطتين: نقص الديزل الخليجي المتاح للاستيراد، وتراجع قدرة مصافي البلدان المستوردة على إنتاج الديزل من الخام الواصل إليها. وهكذا يمتد أثر التعطيل إلى إنتاج يبدو في الجداول محلياً، بينما يعتمد في مادته الأوليّة على طريق بحري خارجي.

والمصفاة لا تحوّل كل برميل خام إلى ديزل، بل تنتج مزيجاً من البنزين والديزل ووقود الطائرات وسائر المشتقات. ويتحدّد هذا المزيج بنوعية الخام وتجهيزات المصفاة وطريقة تشغيلها. لذلك لا يكفي تعويض برميل مفقود ببرميل من أي مصدر لإنتاج الكمية نفسها من الديزل. وتحتاج استعادة الإنتاج إلى وصول الخامات المناسبة بانتظام، وإلى استمرار تشغيل وحدات التكرير. أما الحديث عن عدد البراميل العابرة دون أنواعها ووجهاتها ومردودها في المصافي، فلا يجيب عن سؤال توافر الوقود.

وقد وثّقت رويترز هذا المسار في نيسان، عندما أفادت بأن انخفاض واردات الخام الآسيوية واضطرار المصافي لمعالجة خامات أخف قلّصا إنتاج الديزل ووقود الطائرات، مع تقدير خسارة مشتركة لا تقلّ عن مليون برميل يومياً. وهذا الرقم يخصّ تلك المرحلة، لكنه يشرح آلية الأزمة، يستطيع اضطراب تدفق الخام أن يخفض إنتاج المشتقات في مصافٍ بعيدة عن الخليج. ولذلك فإن عبور الخام عبر هرمز يجب أن يُقاس بما يعيده من إنتاج، إلى جانب الكميات التي تحملها الناقلات.

أما الاحتياطيّ فيسد فجوة لبعض الوقت، ولا يعيد تشغيل مصدر الإمداد المستمرّ. وقد أعلنت مجموعة السبع الإفراج عن مئة مليون برميل من الخام والمشتقات على أربعة أشهر، مع دفعة كبيرة من الديزل خلال عشرين يوماً. ولم تُعلن القسمة النهائية بين الخام والمنتجات. ولو كانت الكمية كلها ديزلاً، وهو غير صحيح، لعادلت أقل من أربعة أيام من الاستهلاك العالمي. والمقارنة توضح محدودية المخزون أمام حاجة يومية متجددة، مع إمكان تأثيره المهم في تهدئة نقص التجارة مؤقتاً.

من هذا التشريح نصل إلى الاستنتاج أن فتح هرمز يعني استعادة وظيفته في تغذية المصافي وإمداد الأسواق بالمشتقات. فإذا بقي الديزل موضع أزمة، واستمرّت الحاجة إلى احتياطيات الطوارئ، فإن إعلان عودة العبور لم يثبت استعادة هذه الوظيفة. وقد تعبر سفن دون أن تعود الكميات والأنواع اللازمة لتوازن السوق. لذلك يبقى المضيق مغلقاً بمعناه الاقتصادي بقدر استمرار أثر تعطله في الإمدادات. وعلى أصحاب رواية النجاح إثبات توافر الديزل؛ فالسوق الفعلية هي التي تمنح أرقام الملاحة معناها، وهي التي تكشف المسافة بين الإنجاز المعلن والنتيجة المحققة.

أزمة الديزل تتجاوز كلفة الوقود إلى كلفة الكهرباء المنزلية والصناعية وكلفة الغذاء والنقل والإنتاج، وتراكم الضغط على المجتمعات والحكومات. والسحب من الاحتياطيّات يشتري وقتاً، لكنه لا يؤمّن إمدادات مستمرة. لذلك يفيد التذكير باعتبار سعر البرميل تعبيراً عن مصداقية تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وهذا ما قاله أول تموز عندما أعلنت إيران أن المضيق مفتوح فانخفض السعر إلى 70$ للبرميل بينما لم تنجح كل بلاغات ترامب عن مليار برميل عبر هرمز بدفع السعر إلى ما دون الـ 100$، هنا يصبح التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني يعيد انتظام الإمدادات ضرورة اقتصادية عالمية، فيما تبقى معالجة بقية اختناقات الإنتاج والتصدير مطلوبة. العالم لا يستطيع تعليق أمنه الاقتصادي على انتظار خيارات ترامب؛ فلكل يوم تأخير كلفة تدفعها شعوب لم تختر هذه الحرب.