Beirut weather 19.48 ° C
تاريخ النشر December 12, 2025
A A A
أبعاد تصريح السفير الأميركي بالفصل بين المفاوضات والاعتداءات
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في “البناء”

 

صرّح سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى أمام وسائل الإعلام بعد لقائه الرئيس نبيه بري في عين التينة قائلاً:

‏انّ بدء المفاوضات “المدنية” بين لبنان و”إسرائيل”، لا يعني توقف “إسرائيل” عن هجماتها العسكرية في لبنان، لأنّ إسرائيل” تفصل مسار المفاوضات مع لبنان عن مسار حربها مع حزب الله.

ماذا يعني هذا الكلام، وهل يوضح بأنه مهما أبدى لبنان من مرونة فإنّ “إسرائيل” لن توقف اعتداءاتها وستواصلها، وبالتالي ما فائدة المرونة عندها، وما هو الردّ الطبيعي من قبل الحكومة اللبنانية على هذا القرار الأميركي ـ الإسرائيلي؟

هذا التصريح على لسان السفير ميشال عيسى (والمفترض أنه يمثل وجهة النظر الأميركية أو الإسرائيلية التي ينقلها) يطرح تساؤلات جدية حول جدوى المفاوضات.

أولاّ، ماهية الرسالة الموجهة الى لبنان من خلال هذا التصريح:

ينص التصريح على نقطتين رئيسيتين:

النقطة الأولى، انّ بدء مفاوضات “مدنية” (بين لبنان وإسرائيل) لا يعني توقف “إسرائيل” عن هجماتها العسكرية في لبنان.

النقطة الثانية، انّ “إسرائيل” تفصل مسار المفاوضات مع لبنان عن مسار حربها مع حزب الله.

ماذا يعني ذلك؟

يعني عملياً أنّ “إسرائيل” تتبع سياسة “المسارين المنفصلين:

ـ المسار العسكري: هذا المسار مرتبط بالصراع الأمني المباشر وتكتيكات الردع العسكري، ويهدف إلى ما تعتبره “إسرائيل” إضعاف أو إبعاد حزب الله عن الحدود، ونزع سلاحه، ليسهل عليها فرض “اتفاق سلام” على لبنان يحقق الاهداف الإسرائيلية.

ـ المسار المدني/ السياسي في المفاوضات: هذا المسار يشمل قضايا مثل ترسيم الحدود البرية، ومحاولة إسرائيلية للبحث في ما تسمّيه التعاون الاقتصادي.. “إسرائيل” مستعدة للمضيّ فيه كعملية تفاوضية منفصلة عن مسار استمرار اعتداءاتها على لبنان وخرقها لاتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار 1701.. لا بل تريد لآلية الميكانيزم ان يصبح مهمتها تمكين “إسرائيل” من “نزع” سلاح المقاومة.

من هنا فإنّ فحوى الرسالة الموجهة الى لبنان هي: لا تتوقعوا يا لبنانيين أن تكون مرونتكم في المفاوضات المدنية بمثابة ثمن لإيقاف الاعتداءات الإسرائيلية. القصف سيستمر ما دامت “إسرائيل” ترى ضرورة لذلك في حربها ضد المقاومة.

ثانياً، ماذا يعني استمرار الاعتداءات الإسرائيلية رغم مرونة لبنان؟

هل يعني أنه مهما أبدى لبنان من مرونة فإنّ “إسرائيل” لن توقف اعتداءاتها وستواصلها؟

انّ تصريح السفير الأميركي يؤكد ذلك ما يدلل على:

1 ـ انّ المرونة اللبنانية تستخدمها واشنطن وتل أبيب لخدمة الأهداف الإسرائيلية في المسار المدني فقط (مثل ترسيم الحدود وفق الرؤية الإسرائيلية)، ولن تخدم هدف لبنان الأهمّ وهو وقف العدوان العسكري واستعادة الأمن، وصولاً الى الزام “إسرائيل” بتتفيذ بنود اتفاق وقف النار والقرار الدولي.

2 ـ إنّ إسرائيل تريد استخدام الضغط العسكري كورقة مساومة منفصلة تقول عبرها الى لبنان، انّ إنهاء الحرب مسألة مرتبطة بأمن “إسرائيل”، وبالتالي نزع سلاح حزب الله.، ولهذا فإنّ استمرار التفاوض تحت النار الإسرائيلية يضعف موقف لبنان بشكل كبير.

لذلك يطرح السؤال الملحّ وهو: ما فائدة المرونة عندها؟

فائدة المرونة، في هذه الحالة، تصبح محصورة في تجنيب لبنان المزيد من التصعيد، وهو المبرّر الذي قدمته الحكومة اللبنانية لقبول مشاركة مدني في آلية الميكانيزم للحيلولة دون قيام “إسرائيل” بشن حرب واسعة ضدّ لبنان.

لكن المرونة لم تحقق الأمن والاستقرار للجنوبيين، والاستمرار فيها يعني قبول ما تريده “إسرائيل” من تكريس استمرار اعتداءاتها.. وتحول المكيانيزم الى مجرد ملهاة.

ثالثاً، الردّ اللبناني على هذا الموقف الإسرائيلي المدعوم أميركياً:

الردّ الطبيعي والمنطقي من قبل لبنان يجب أن يرتكز على المطالبة العلنية والواضحة بأنّ هدف مفاوضات الميكانيزم انما هو وقف العدوان وتحقيق امن المواطنين اللبنانيين، وأنّ ذلك لا يمكن تحقيقه تحت الاعتداءات اليومية. وبالتالي فإنّ لبنان لا يمكن أن يقبل بأن تتحوّل الميكانيزم الى آلية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية المتناقضة مع اتفاق وقف النار والقرار 1701.. وانّ وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي من كلّ الأراضي اللبنانية المحتلة وإطلاق الأسرى اللبنانيين أولوية تسبق ايّ بحث آخر مرتبط بتحديد نقاط الحدود، والعودة الى اتفاق الهدنة لعام 1949.. وفي حال أصرّت “إسرائيل” على الاستمرار في رفض تنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف النار، وتريد تحويل الميكانيزم الى آلية تخدم أهدافها، فمن حق لبنان ان يرد بسحب المرونة التي أبداها بمشاركة مدني، والتهديد بتعليق المشاركة في المفاوضات غير المباشرة عبر الميكانيزم الى ان تقرر “إسرائيل” الالتزام بما يتوجب عليها من التزامات بموجب الاتفاق، بعد ان نفذ لبنان ما عليه.