Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر February 27, 2024
A A A
ما سيناريوات جبهة جنوب لبنان في ظلّ هدنة محتملة في غزة؟
الكاتب: العميد د. أمين محمد حطيط - البناء

رغم المماطلة والمراوغة، والتعنّت «الإسرائيلي» الظاهر فإنّ الهدنة التي تسعى إليها أميركا في غزة باتت كما يبدو قريبة بدون أن تصبح مؤكدة. وهي هدنة تريدها أميركا قبل شهر رمضان المقبل بعد أسبوعين لأكثر من اعتبار، وتحتاجها المقاومة لأسباب إنسانية تتعلق بوضع السكان في القطاع ولكن ليس بأيّ ثمن، وتستفيد منها «إسرائيل» في وجوه عسكرية وسياسية شتى. ومع ذلك فإننا لا نغفل العوائق والتعقيدات التي قد تفشل المسعى بيد «إسرائيلية»، أو قد تمنع الوصول إليه إذا كانت الهدنة من أجل تجريد المقاومة من ورقة ذهبيّة بدون مقابل يعوّل عليه استراتيجياً وسياسياً وإنسانياً. وفي النتيجة فإنّ الهدنة العتيدة احتمال قويّ لكن قبل أن يُبرم الاتفاق حولها لا يمكن اعتبارها أمراً حتمياً، ولذلك نجد المعنيين «الإسرائيليين» بأمر الميدان يردّدون عبارة «إذا تمّت الهدنة….» لأنهم يدركون انّ الوصول إليها ليس حتمياً مع وجود نتنياهو وبن غفير.
ومع احتمال الهدنة، ورغم ما ذكر، هو احتمال قويّ مرجّح برأينا، سيطرح السؤال عن مستقبل أو وضع الجبهات المساندة عامة وجبهة الجنوب اللبناني بخاصة، طرح تستوجبه مواقف المسؤولين «الإسرائيليين» في المستويين العسكريّ والسياسيّ والتي كان آخرها بالأمس كلام وزير الحرب الصهيوني الذي قال «سنكثّف إطلاق النار في الشمال حتى لو أبرمت هدنة في غزة إلى أن يستسلم حزب الله».
بداية لا بدّ من التأكيد على استراتيجية «إسرائيل» الثابتة في رفض التعامل مع منطق «وحدة الساحات» و«ترابط الجبهات» المقاومة وإصرارها على التعامل مع كلّ جبهة بمفردها في سياق سياسة «الاستفراد» والشرذمة الذي تعتمده ضدّ الفلسطينيين والعرب منذ أن اغتصبت فلسطين وأقامت كيانها غير الشرعي فيها. لذلك ومن منظور استراتيجي لا ننتظر من «إسرائيل» إقراراً بمنطق «وحدة الساحات وترابط الجبهات» لأنّ هذا الإقرار يناقض كما قدّمنا جوهر وعمق الاستراتيجية «الإسرائيلية»، وبالتالي يكون موقف وزير الحرب «الإسرائيلي» منسجماً مع استراتيجية كيانه، وعليه يكون مرجّحاً أن تستمرّ «إسرائيل» إذا تحققت الهدنة وبدأت بالسريان في قطاع غزة، أن تستمرّ بعدوانها على الجبهة اللبنانية تحديداً والقيام بما من شأنه أن ينكر وجود مسرح عمليات المقاومة الواحد ويثبت عدم الترابط بين الجبهتين (غزة والجنوب اللبناني) تاركة أمر جبهة اليمن لأميركا التي تحمل العبء بدلاً من «إسرائيل» وتراقب جبهة العراق التي تستمرّ على ما آلت إليه من تجميد فرضته اعتبارات خاصة بها.
إذن من الوجهة الاستراتيجية الإسرائيلية، يمكن القول بأنّ ما سيجري على قطاع غزة من هدنة، إن حصلت، لن ينسحب على الجنوب اللبناني، ما يطرح سؤالاً أساسياً كيف سيكون الوضع الميداني على جبهة الجنوب وما هي مدلولات التهديد والوعيد الإسرائيلي في هذا المجال.

في الإجابة نقول إنّ جبهة الجنوب فتحت من قبل المقاومة في لبنان لتكون جبهة إسناد لغزة، وبالتالي فإنّ هذه الجبهة ومن وجهة نظر المقاومة تبقى على ارتباط بالجبهة الرئيسيّة حركة وفعلاً أو سكوناً وخموداً، أيّ انّ المقاومة لن تبادر الى أعمال قتالية على هذه الجبهة إذا توقفت الأعمال القتالية في غزة بهدنة او بوقف إطلاق النار.
بيد أنّ الأمر يكون خلاف ذلك إذا قام العدو بعد التزام المقاومة بالهدنة ووقف عملياتها في الميدان بتنفيذ ما يتوعّد به من تكثيف لإطلاق النار على لبنان. هنا سينقلب الوضع وتتحرك المواجهة وتغيّر هويتها وطبيعتها وتغادر مهمة «الإسناد» الى مهمة الدفاع. وهنا يعرف «الإسرائيلي» بأنّ حرب الدفاع تختلف في قواعدها وأحكامها وأساليبها عن حرب الإسناد المقيّدة. وهنا أهمية التذكير بما قاله الأمين العام وقائد المقاومة في لبنان «بتوسّع منوسّع»، أيّ أنّ المقاومة جاهزة للردّ على أيّ تصعيد بتصعيد مماثل من شأنه أن يبقي في ثباتها معادلة الردع الاستراتيجي الفاعل.
وفي هذ الإطار يأتي إسقاط المقاومة لمُسيّرة العدو «هرمز 450» في اليوم التالي لإطلاق وزير حربه غالنت تهديده ليكون بمثابة ردّ أوّلي على التهديد ويضيف جديداً إلى ما كان سبقه من زجّ المقاومة لأسلحة جديدة في الميدان من قبيل صواريخ البركان والماس وسواها ضمن استراتيجية التدرّج في إظهار القدرات عملاً بقاعدة «دائماً لدينا جديد ونحتفظ بالمزيد». وربطاً بكلّ ذلك فإنّ جبهة الجنوب في حال توقيع هدنة في قطاع غزة ستكون وفقاً لتهديد العدو عرضة لإعمال واحد من سيناريوات ثلاثة، كالتالي:
1 ـ السيناريو الأول: انسحاب ما سيجري في غزة على جبهة جنوب لبنان واعتبار المواقف الإسرائيلية بمثابة تهويل وحرب نفسية من أجل ممارسة الضغوط على لبنان لدفعه للقبول بالحلول السياسيّة التي تريح العدو والتي جاءت الورقة الفرنسية كنموذج من نماذجها، ما يعني أنّ الأعمال القتالية ستتراجع بشكل ملحوظ مع بقائها في حجم وقدر يكفي لممارسة هذه الضغوط.
2 ـ السيناريو الثاني: إبقاء الجبهة مشتعلة وفقاً لما هو عليه الوضع الآن، ولكنها تحرّك بمبادرة من العدو الذي سيقوم باستهداف مواقع وأهداف محددة ويدفع المقاومة للردّ دون أن يكون في الأمر تغيير لقواعد وقيود اعتمدت منذ بدء المواجهة. وهنا ستقوم المقاومة بالردّ عملاً بقاعدة التماثل دون تدحرج الأمور إلى أبعد.
لكن السؤال هنا يكمن في معرفة ما ستحققه «إسرائيل» من هذا الوضع أكثر من تأكيدها على فصل الساحات، لأنها ستواجَه بالردّ عند كلّ عدوان وسيكون الردّ متوازناً مع العدوان، وسيبقى المشهد على الأرض على حاله خاصة لجهة النازحين.
3 ـ السيناريو الثالث: توسيع العدو عملياته وتكثيف النيران داخل وخارج بقعة العمليات المحدّدة منذ بدء المواجهة دون أن يتطوّر الوضع إلى غزو بري، خاصة أنّ المواقف الإسرائيلية حصرت الموضوع بالنيران دون الإشارة تلميحاً او تصريحاً الى مناورة برية ودون القول بالسعي الى تدمير المقاومة. واكتفت «إسرائيل» مسكونة بخشيتها مما هدّدها به قائد المقاومة من تهجير مليوني مستوطن والوصول إلى أيّ نقطة في فلسطين المحتلة من كريات شمونة إلى ديمونا، اكتفت في معرض تهديدها بأمرين الأول تكثيف النار والثاني السعي لاستسلام المقاومة، وإذا كان الأول ممكناً وسيواجَه بردّ يماثله فإنّ الثاني يبقى هدفاً – حلماً يعرف العدو استحالة تحققه، لكنه يلوّح به في سياق ممارسته غطرسة وعنجهية فارغة لا تغيّر حقيقة المشهد في الميدان.
وبين هذه السيناريوات ومعطوفة على شهية العدو للذهاب الى حرب مفتوحة يورّط بها أميركا ويفشل أو يحاول أن يفشل السعي لحلّ مسألة تبادل الأسرى مع تملّص من فكرة الهدنة الطويلة القابلة للتجديد والتمديد حتى تصل الى وقف الحرب، آخذاً كلّ ذلك بالاعتبار، نقول إنّ المقاومة لن تهدي العدو ما يرضيه ولن تتنازل عن معادلة الردع الاستراتيجي الفاعل ولن تجرّ الى حرب مفتوحة من جهة، ومن جهة أخرى لن تدع عدواناً يمرّ من غير ردّ، لذلك بين السيناريوات المتقدّمة سيكون الخيار الفعلي واقعاً بين الأول والثاني مع ترجيح للأول دون استبعاد الثاني حتماً…