Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر July 23, 2026
A A A
مآلات المواجهة الأميركية ـ الإيرانية
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

شهدت الأسابيع الأخيرة محطات متلاحقة من التصعيد الميداني والاشتباك العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، تخلّلتها جهود دبلوماسية مكثفة قادتها أطراف إقليمية ودولية توجت بإبرام “مذكرة تفاهم إسلام آباد”. ورغم ما واجهه هذا المسار من انتكاسات نتيجة خرق واشنطن للمذكرة وإقدامها على العودة إلى التصعيد العسكري، وردّ إيران عليه، إلا أنّ المعطيات الاستراتيجية والواقع الميداني يشيران بوضوح إلى أنّ خيار التهدئة الدبلوماسية يظلّ الخيار الوحيد الحتمي لتجنب الانزلاق نحو الحرب الشاملة.

أولاً، ديناميكيات التصعيد العسكري وحسابات “الضغط الأقصى”،

لم تسقط الهجمات العسكرية الأخيرة ـ من غارات جوية أميركية مكثفة واستهداف للبنية التحتية البحرية الإيرانية ـ الخيار الدبلوماسي تماماً، بل عكست محاولة تحسين شروط التفاوض الميداني. فواشنطن تسعى لكسر السيادة الإيرانية على مضيق هرمز ومنعها من فرض رسوم بدل خدمات، بينما تحاول طهران استخدام أوراق ردعها ورفع الكلفة الاقتصادية على الولايات المتحدة، لا سيما أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدرك تماماً أنّ إطالة أمد المواجهة تعني الدخول في حرب استنزاف إقليمية مفتوحة لا تنسجم مع أولوياتها الاقتصادية والانتخابية.

ثانيا، الانقسام الداخلي والضغط السياسي في واشنطن،

أفرزت الأزمة الحالية تصدّعاً غير مسبوق داخل معسكر الحزب الجمهوري؛ بين صقور الحزب المرتبطين بالرؤية التقليدية للوبي “الإسرائيلي” والذين يطالبون بتدمير البنية العسكرية الإيرانية بالكامل وصولاً الى فرض الاستسلام على إيران، وبين تيار “أميركا أولاً” الرافض للانجرار وراء حروب استنزاف خارجية مكلفة تبيّن أنه لا أفق للانتصار فيها.

وعلى الرغم من نفوذ جماعات الضغط، تبدو استجابة البيت الأبيض لهذه الضغوط محكومة ببراغماتية حذرة؛ فترامب حريص على تجنّب الهزات الاقتصادية المرتبطة بأمن الطاقة وميزان الأسعار، ولا يتردّد في كبح جماح محاولات جرّ واشنطن إلى حروب شاملة، مما يضعف تدريجياً من هيمنة صقور الحرب على القرار النهائي للإدارة.

ثالثاً، العودة الحتمية لمسار “مذكرة إسلام آباد”،

تؤكد مجريات الأمور وتحليلات المراقبين أنّ مذكرة تفاهم إسلام آباد تظلّ المخرج الآمن والواقعي الوحيد لانسداد الأفق العسكري، وذلك للأسباب الجوهرية التالية:

1 ـ محدودية الحسم العسكري: أثبتت جولات الضربات المتبادلة أنّ القوة الأميركية المفرطة عاجزة عن إخضاع طهران، فيما تزداد الأثمان الباهظة للاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية.

2 ـ براغماتية ترامب: يفضل الرئيس الأميركي دائماً صياغة “الصفقات الكبرى” وقطف ثمارها سياسياً على التورط في مستنقعات عسكرية طويلة الأمد.

3 ـ الحاجة لمرحلة انتقالية: توفر مذكرة إسلام آباد إطاراً زمنياً مؤقتاً (فترة الستين يوماً) لإدارة ما بعد العمليات العسكرية، وفتح قنوات معالجة الملفات العالقة كأمن الملاحة والعقوبات والملف النووي.

وعليه، فإنّ استمرار التصعيد الحالي لا يعدو كونه فصلاً إضافياً من “التفاوض تحت النار”، ومن المتوقع ان تنتهي جولة المواجهة عاجلاً أم آجلا إلى عودة واشنطن الحتمية إلى طاولة الدبلوماسية، لتأكيد الالتزام ببنود مذكرة إسلام آباد بوصفها طوق النجاة الأخير، المقبول إيرانياً، لتفادي كارثة إقليمية شاملة…