Beirut weather 29.65 ° C
تاريخ النشر October 16, 2023
A A A
التجارة الرقميّة وقانون التوقيع الالكتروني: مفتاح النهضة الاقتصاديّة في لبنان
الكاتب: البرفسورة وديعة الاميوني - موقع المرده

يعاني لبنان من أوضاع اقتصادية بائسة نتجت عن سوء الادارة في هيكلة قطاعات الدولة ومواردها، والاعتماد على الاقتصاد الريعي، وتعميم ثقافة الرشوة والمحسوبيات والسرقات،وغياب الرقابة مع الحوكمة الرشيدة، والاستنسابيّة في تطبيق القوانين والعقوبات، وغيره من الممارسات التي تراكمت على مدى عقود من الزمن، وأدّت الى انهيار العملة الوطنيّة وارتفاع معدّلات البطالة وتراجع مستوى الدخل والناتج المحلي، الامر الذي يستدعي اليوم استكشاف فرصًا جديدة لأجل تجنّب افلاس الدولة وتعزيز الاقتصاد وتطوير إمكاناته، مثلا للجوء الى التجارة الرقميّة والاستفادة من الثورة التكنولوجيّة؛ هذا طبعًا اذا ارادت القوى السياسيّة ايجاد الحلول السريعة والمستدامة بعيدًا عن السياسات التقليديّة المعلّبة. فالعمل على طرح “استراتيجيّة وطنيّة للتجارة الرقميّة في لبنان” على سبيل المثال، قد يؤدي الى ابتكارحلول اقتصاديّة قريبة المدى، على خلاف”الاستراتيجية الوطنيّة للتحول الرقمي 20-30″ الشاملة لكل قطاعات الدولة والتي يحتاج تطبيقها وتنفيذها سنين طويلة. اذ يكون الاهتمام موجّهًا نحو دعم المعاملات التجاريّة الالكترونيّة من خلال التشريع القانوني على وجه الخصوص، وفي ذلك خطوة عملانيّة هامة وجريئة يمكن ان تتخذها الدولة في المستقبل القريب، لجهة الفائدة الكبيرة التي تعودعلى مداخيل الدولة من العملة الصعبة. فالتجارة الرقميّة تساهم حتمًا في زيادة الصادرات وتنويع وتسويق المنتجات والخدمات من خلال اتصال الشركات افتراضيّا بالأسواق العالميّة، وتنظّم فرض الضرائب على العمليّات التجاريّة وتزيد بالتالي من الإيرادات الحكوميّة وتخفف العبء المالي على خزينة الدولة. كما تعزّز التجارة الرقميّة قطاع الأعمال وتقلل من التكاليف ورأسمال الشركات الصغيرة والمتوسطة وتشجّعها على النمو الحيوي، وتوفّر فرص عمل جديدة في مجالات التسويق الرقمي وتطوير المواقع والتطبيقات وخدمات الدعم اللوجستي الإلكتروني.
وفي منحى واقعيّ، يمكن أن تواجه التجارة الرقميّة في لبنان تحدّيات كبيرة، اهمها الزاميّة تحسين البنى التحتيّة الشبكيّة والاتصاليّة وتطويرها لأجل ضمان توفير خدمات سيبيريّة عالية الجودة وبأسعار متاحة، كذلك تطوير القوانين والتشريعات المناسبة لدعم تنظيمها، وتعزيز الأمان الإلكتروني وحماية البيانات الشخصية للمواطنين والشركات. واخيرًا، توفيرفرص تعليم وتدريب المواطنين على كيفية الاستفادة من التكنولوجيا الشبكيّة،وتقديم التوجيه والإرشاد والدعم للشركات الناشئة والأفراد.
من جهة اخرى، نقول أنّ التجارة الرقميّة اليوم تمثّل سبيلًا فعّالًا واساسيًّا في تطوير الاقتصاد وزيادة الإيرادات في لبنان. ويتطلب النجاح في هذا المجال التفكير الاستراتيجي والتنسيق بين القطاعين العام والخاص وتطبيق السياسات والإجراءات اللازمة، خاصة في ما يطال تصحيح وتطبيق قانون التوقيع الإلكتروني 81/2018على اعتباره مدماكًا هامًا في دعم المشاركة في السوق العالمي. ولا يُخفى على احد ان هذا القانون يحتاج الى التعديلات الضرورية لأجل التنفيذ السليم ومواكبة الثورة التكنولوجيّة. وعليه، نضع بعض الاقتراحات حوله مثلا لتوقيع البيولوجي والتعرّف على الهويّة الشخصيّة ووضع توجيهات وضوابط دقيقة لاعتماد تقنيّات البصمة والتعرّف بالوجه بهدف زيادة مستوى الأمان وتقليل فرص التزوير.اضافة الىالعمل على تطوير حمايةالخصوصيّة وإدارة البيانات وتوثيق المعاملات الرقميّة بشكل قانوني بما فيها العقود والمعاملات. ثمّ تقديم توجيهات للأعمال التجاريّة الصغيرة والمتوسطة حول كيفية استخدام التوقيع الإلكتروني مما يشجّع الشركات على تبنّي التكنولوجيا وزيادة كفاءتها.كذلك يجب تشكيل الهيئة الرقابيّة والعمل على تعزيز الوعي من قبل الحكومة،وتنفيذ حملات وبرامج تثقيف للمواطنين والمؤسسات بشأن التوقيع الإلكتروني وفوائده، مما يضمن استخدامه بشكل أوسع.
تشكّل التعديلات التشريعيّة على قانون التوقيع الإلكتروني 81/2018 استثمارًا ضروريًا لمواكبة التطورات التكنولوجية ودعم التجارة الرقميّة. الامر الذي يمكّن الدولة اللبنانية من تأسيس بيئة أعمال أكثر تقدمًا وأمانًا، ويسهم في تعزيز النمو الاقتصادي والحوكمة الإلكترونيّة وضبط دفع الضرائب للحكومة.باختصار نقول انّهذا القانون هو أداة حيويّة لدعم التجارة الرقميّة ومشاركة لبنان في السوق العالمي، ويتطلب تفعيله تعاون جميع الأطراف وتوحيد الجهود نحو تشجيع استخدامه بشكل واسع، خدمةً للمنفعة العامة ونهوض الدولة اللبنانية من كبوتها الاقتصاديّة وانهيارها المالي.

*البرفسورة وديعة الاميوني – استاذة جامعية وباحثة اجتماعيّة