Beirut weather 27.41 ° C
تاريخ النشر September 16, 2023
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: لودريان كما جاء غادر… برّي: طاولة الحوار جاهزة
الكاتب: الجمهورية

 

حزم الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان حقائبه وغادر بيروت، تاركاً خلفه بحراً عائماً بعلامات الاستفهام، ليس فقط حول ما حقّقه في زيارته الثالثة إلى بيروت، لا بل حول جدوى حصول هذه الزيارة من أساسها؟

أقصى ما تحقّق في زيارة لودريان نظرياً، هو انّها تركت الباب مفتوحاً على زيارة رابعة سيقوم بها الى بيروت في وقت لاحق، وأمّا النتيجة الأكيدة التي انتهت اليها هذه الزيارة، فهي أنّ ما بعدها، هو ما كما قبلها؛ مراوحة سلبية في حقل توترات وتناقضات سياسية مانعة لانتخاب رئيس للجمهورية في المدى المنظور.

فالرجل الذي تدرّجت رتبته من موفد شخصي للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، إلى مفوض باسم اللجنة الخماسية لمحاولة عبور حقل التناقضات اللبنانية ودفع الأطراف السياسية الى صياغة توافق على انتخاب رئيس للجمهورية، عكست نقاشاته مع اطراف الملف الرئاسي، انّه لم يعد يوجد شيء اسمه «مبادرة فرنسية»، بل انّ مهمّته مندرجة في سياق عنوان وحيد تدفع اليه اللجنة الخماسية، نحو ما تعتبره «الحل الوحيد»، وجوهره إطلاق حوار أو نقاش او مشاورات او اي شكل من أشكال التلاقي بين هذه الاطراف، للتوافق على خيار رئاسي جديد، مستنداً في ذلك إلى الامر الواقع الذي أفرزته جلسة مجلس النواب في 14 حزيران الماضي، والتي أسست لبلوكين سياسيين يستحيل لأي منهما أن يؤمّن أكثرية الفوز للمرشح الذي يدعمه. ومعلوم أنّ نتائج تلك الجلسة جاءت بـ59 صوتاً نالها مرشح التقاطعات جهاد أزعور، و51 صوتاً نالها الوزير سليمان فرنجية.

 

 

طرح مكرّر
ووفق معلومات موثوقة لـ«الجمهورية»، فإنّ «لودريان اكّد خلال مداولاته مع اطراف الملف الرئاسي، انّه في مهمّته يعبّر عن اللجنة الخماسية، ويداً بيد مع الجانب السعودي، والطرح الذي سعى الى تمريره والذي يستبطن إبعاد فرنجية وازعور عن حلبة المرشحين. وسوّق له بحديث مفصّل عن الآثار السلبية المتفاقمة التي ولّدتها الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان، وبلفت الانتباه الى انّ الرهان على عائدات من الموارد الغازية، ليس في محلّه، ذلك انّ هذا الامر قد يستغرق وقتاً طويلاً، ولبنان لا يستطيع ان يحتمل مزيداً من هدر الوقت، فلبنان في حاجة ماسّة الى إجراءات وإصلاحات سريعة، وهذه الاصلاحات تتطلب وجود مؤسسات فاعلة، والمؤسسات الفاعلة تتطلّب بدورها وجود رئيس للجمهورية، وحكومة جديدة. وبالتالي نحن نتفهم هواجس جميع الاطراف، ولكن في الوقت نفسه، كلكم على علم بالتجربة التي حصلت في جلسة 14 حزيران، وحتى لا تتكرّر هذه التجربة لا بدّ من الحوار او التشاور او النقاش او سمّوه ما شئتم، فالحوار في رأينا هو المنقذ، وبديل الحوار أمر كارثي سيحصل».

على انّ طرح الخيار الثالث، وفق معلومات موثوقة لـ»الجمهورية»، لم يكن وليد هذه الزيارة، بل هو طرح قديم مكرّر سبق للودريان ان قدّمه في زيارته السابقة، ولم يلق التجاوب المطلوب معه. حيث انّه قرن طرحه بعرض النسبة التي نالها كلّ من فرنجية وازعور في جلسة 14 حزيران، مشيراً إلى أنّ كلا المرشحين لم يتمكنا من الفوز، والاطراف الداعمة لهما لا تستطيع ان تؤمّن الفوز لأي منهما، وبالتالي فإنّ المخرج لهذه الأزمة يكون بالذهاب الى خيار ثالث. وقد قيل للودريان آنذاك ما مفاده: «انت في طرحك تقارب هذه المسألة على قاعدة الأكثرية العددية، فديموقراطيتنا في لبنان مختلفة عن ديموقراطيات العالم كله، حيث انّ هناك ديموقراطية عددية تعتمد لغة الارقام أي أكثرية تربح وأقلية تسلّم بهذه النتيجة، أمّا في لبنان فديموقراطيتنا ليست عددية، بل هي ديموقراطية توافقيّة، والنتيجة التي خرجت بها جلسة 14 حزيران ليست نتيجة ثابتة، بل انّها بديموقراطيتنا التوافقية قد تتحرّك 180 درجة، والـ 59 صوتاً التي نالها جهاد أزعور قد تصبّ كلها او غالبيتها في اللحظة التوافقية لمصلحة سليمان فرنجيه».

 

طرح خلافي
تبعاً لذلك، فإنّ الطرح الجديد – القديم، هو طرح خلافي اصلاً، لأنّه يصبّ بشكل او بآخر في مصلحة احد المرشحين البارزين (البعض يطرح في هذا المجال اسم قائد الجيش العماد جوزف عون)، وبالتالي فإنّ رفضه لا يقتصر فقط على داعمي فرنجية، وبالأمس تبلّغ لودريان مباشرة من «حزب الله»، بـ«قرارنا محسوم ونهائي، إنّنا مع فرنجية، ولن نتنازل عن دعمه، لأنّه يعني الكثير بالنسبة الينا»، بل على رافضي ترشيح فرنجية مثل «التيار الوطني الحر»، الذي يضع فرنجية وقائد الجيش في خانة واحدة، فيما موقف حزب «القوات اللبنانية» الرافض جملة وتفصيلاً انتخاب فرنجية، ملتبس حيال قائد الجيش، إلاّ انّ هذا الالتباس يتبدّد مع اعلان «القوات» رفضها ايّ حوار يشكّل مضيعة للوقت، ما خلا الحوار الذي ينبغي ان يحصل في جلسة انتخاب رئاسية مفتوحة، وبين دورة اقتراع واخرى، وصولاً الى انتخاب رئيس للجمهورية لا يمتّ الى ما تسمّيها «الممانعة» بصلة.

 

ماذا بعد؟
وإذا كانت خاتمة زيارة لودريان قد تجلّت في زيارته امس لرئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث استعرضا على مدى ساعة مجريات حركة الاتصالات واللقاءات التي اجراها، فإنّ اللافت للانتباه هو الصمت المتبادل حيالها الذي اعتمده لودريان وكذلك الرئيس بري، حيث لم يشر أي منهما الى ايجابية او سلبية، بل انّ مصادر عين التينة حرصت على التأكيد على «انّ مبادرة الرئيس بري، وكذلك الدعوة الى الحوار ما زالت قائمة». واما الموفد الفرنسي فحين مغادرته، عبر جمع الصحافيين في عين التينة متجاهلًا اسئلتهم، مكتفياً القول: «دعوني اصل إلى سيارتي». الاّ انّ ما لفت الانتباه هو انّ الحديث عن الايجابية جاء من مكان آخر، وبعد اتصال اجراه لودريان قبل مغادرته برئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، الذي اشار الى انّ «نتائج المحادثات ايجابية بقرب انتخاب رئيس جديد للجمهورية».

 

بري: طاولة الحوار جاهزة
وفي معلومات موثوقة لـ«الجمهورية»، فإنّ اجواء اللقاء بين بري ولودريان لم تخرج عن سياق الايجابية التي حكمت لقاءاتهما السابقة، حيث جرى تناول الامور بصراحة ووضوح. وإذ لفتت مصادر المعلومات الى انّ نتائج الزيارة الثالثة بصورة عامة لم تختلف عن نتائج الزيارة السابقة، انما الامور لم تنته هنا، بل ستكون لها تتمة في زيارة رابعة للموفد الرئاسي ربما اواخر الشهر الجاري، مشيرةً الى احتمال جدّي بأن يشارك لودريان في اجتماع اللجنة الخماسية الذي سيُعقد حول لبنان.

ونُقل عن الرئيس بري قوله امام زواره، انّ الخطوة التالية المرتبطة بمبادرته الحوارية مؤجّلة إلى ما بعد الزيارة المقبلة للودريان الى بيروت، حيث في ضوء ما سيحمله معه، يُبنى على الشيء مقتضاه. ومؤكّداً في الوقت ذاته، انّ مبادرته قائمة، انما هو على استعداد لأن يدعو الى حوار، او نقاش، او تشاور، او اي لقاء تحت اي عنوان، فليس المهم هو الاسم، بل انّ الأهم هو ان نلتقي حول ما يؤمّن مصلحة لبنان والخروج من هذه الأزمة. مشيراً في هذا الاطار الى انّ طاولة الحوار في مجلس النواب باتت جاهزة في كل تفاصيلها، لأن تلتقي الاطراف السياسية حولها.

باب التفاؤل مقفل
ورداً على سؤال حول مرحلة ما بعد زيارة لودريان، وما اذا كانت قد أسست لحل رئاسي، أبلغ مرجع سياسي الى «الجمهورية» قوله، انّه: «على الرغم من انّ باب التفاؤل ليس مفتوحاً حتى الآن، الاّ انّه يراهن على ان يُفتح هذا الباب في اي لحظة، وخصوصاً انّ لدى السيد لودريان جدّية واضحة في قيادة السفينة الرئاسية نحو توافق على رئيس للجمهورية، كما انّ فرصة بلوغ حل
للأزمة الرئاسية متاحة في مبادرة الرئيس بري، الذي يشدّد على انّ لا مفرّ من الجلوس على طاولة الحوار، والكرة في ملعب الجميع».

 

توترات ونزاعات
الاّ انّ مصادر مطلعة على نتائج محادثات الموفد الفرنسي اكّدت لـ«الجمهورية»، انّ بلوغ حلّ رئاسي ما زال محفوفاً بصعوبات اكثر من جدّية، ومهمّة لودريان، كما هو واضح للجميع لم تتمكن من تضييق مساحات التناقض الشاسعة بين القوى السياسية. وقالت: «لودريان حضر باسم اللجنة الخماسية، وفي المحادثات التي أجراها على مدى ثلاثة ايام، عكس بما لا يقبل أدنى شك انّ دول اللجنة الخماسية لا تملك في جعبتها في الوقت الحالي، طرحاً لحلّ رئاسي في لبنان يتمتع بقوة معنوية عالية، او بصفة الإلزام لأي من الاطراف اللبنانيين، بل طرح قديم – جديد ألقى به لودريان على ارض التناقضات الداخلية، ويقوم على التمني على الاطراف اللبنانيين بالبحث عن خيار ثالث، وهذا الطرح ثبت أن ليس له شعبية في لبنان، وطبيعي في هذه الحال ان يغادر لودريان من دون ان يحمل معه ما يطمئنه إلى انّ طرح الخيار الثالث قد يتدرّج من خانة المستحيل الى خانة الممكن. ولكن في مطلق الأحوال، لبنان من الآن وحتى نشوء الظروف المحلية والخارجية الدافعة الى انتخاب رئيس، على باب مرحلة مفتوحة على منازعات وتوترات سياسية ربما بوتيرة اقسى مما سبق».

 

مصرف لبنان
من جهة ثانية، أصدر مصرف لبنان امس، تعميماً حدّد فيه إجراءات السحب من «الحسابات الخاصة المتفرّعة» للمستفيدين من القرار الأساسي رقم 13335 وتعديلاته المتعلّق بإجراءات استثنائية لتسديد تدريجي لودائع بالعملات الأجنبية، بحيث تدفع للمستفيدين من أحكام هذا القرار قبل 1-7-2023: /400/ د.أ. شهرياً، ولمن لم يستفيدوا من أحكام هذا القرار قبل تاريخ 1-7-2023 تدفع /300/ د.أ. شهرياً.

صندوق النقد
إلى ذلك، وفي بيان عالي النبرة، ختم فريق صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو، زيارته الى بيروت بين 11 و14 أيلول، واكّد أنّ «لبنان لم يقم بالإصلاحات المطلوبة بشكل عاجل، مما سيؤثر على الاقتصاد لسنوات قادمة». مشيراً الى «أنّ الافتقار إلى الإرادة السياسية يترك لبنان في مواجهة قطاع مصرفي ضعيف، وخدمات عامة غير كافية، وتدهور البنية التحتية، وتفاقم ظروف الفقر والبطالة، واتساع فجوة الدخل». واعتبر انّ «القرارات الأخيرة التي اتخذتها القيادة الجديدة لمصرف لبنان هي خطوات في الاتجاه الصحيح». مشدّداً على «وجوب توحيد أسعار الصرف الرسمية وفقًا لسعر صرف السوق».
واشار الى أنّ موازنة 2023 تفتقر إلى التوقيت والتغطية. داعياً الى أن «تكون موازنة 2024 المقترحة متناسقة مع عملية توحيد سعر الصرف»، كما لفت الى «أنّ خطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي ما زالت غير موضوعة. وقد أدّى هذا التقاعس إلى انخفاض كبير في الودائع القابلة للاسترداد وعرقلة توفير الائتمان للاقتصاد. ولا تزال التعديلات على قانون السريّة المصرفية، والتي تهدف إلى معالجة أوجه القصور، ومشروع قانون مراقبة رأس المال وسحب الودائع، في انتظار موافقة البرلمان».