Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر June 11, 2024
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: الرئاسة: حراكات واعتراضات ولا تفاهمات
الكاتب: الجمهورية

 مسلسل طويل من مبادرات ووساطات خارجية، وحراكات داخلية توالت حول الملف الرئاسي، أمّا النتيجة فكانت أن تعثرت جميعها وتخبّطَت بفشلها. امّا هذا الفشل، وعلى ما يؤكد مسؤول كبير لـ»الجمهورية»، فمردّه إلى انّ تلك المبادرات والحراكات ارتدت في ظاهرها ثوب الدعوة العامة الى التوافق على رئيس للجمهورية، فيما هي في غالبيتها، إن لم تكن جميعها، تقاطعت في جوهرها على هدف وحيد، وهو الدفع نحو ما سُمّي «الخيار الرئاسي الثالث». ما يعني إخراج مرشّحين أساسيين من نادي المرشحين، لهم مكانتهم ورمزيتهم وحقهم قبل كل شيء في الترشح لرئاسة الجمهورية، لا سيما رئيس تيار المردة سليمان فرنجية. الذي من الطبيعي أن يقابل هذا المنحى بإصراره على مضِيّه في المعركة الرئاسية، وكذلك تأكيد ثنائي حركة «امل» و»حزب الله» وحلفائهما على تمسّكهم بدعم ترشيحه، من دون ان يعني ذلك اعتراضهم على وجود مرشحين آخرين في المعركة، ذلك أن الحسم في نهاية الأمر تحدده اللعبة الديموقراطية والتصويت في مجلس النواب».

المسلسل مستمر

وتتوالى حلقات المسلسل، حيث سجّل الفرنسيون رقما قياسيا في المبادرات والحراكات. ومع ذلك، لم يستطيعوا، لا عبر الرئيس ايمانويل ماكرون ولا عبر صولات جان ايف لودريان وجولاته واستطلاعاته، أن يسوّقوا لخيار رئاسي، او أن يجذبوا مكوّنات التعطيل الداخلي إلى طاولة التوافق. وكذلك كان حال حراك اللجنة الخماسية التي يبدو انها قالت آخر ما لديها في البيان الذي تَبعَ اجتماع سفراء دولها في السفارة الاميركية الشهر الماضي. وقبلها الحراك القطري السرّي والعلني الذي تَسارَع ثم تباطَأ ثم انكفأ وجُمّد، ليعود في هذه الفترة الى تزخيم حضوره من جديد على الخط الرئاسي. وأيضاً حال الحراكات الداخلية التي جرّبت حظها في الميدان، وكانت النتيجة أن صاحَبَها الفشل، حتى قبل أن تتحرّك، خصوصاً أنّ تعامُل المكونات السياسية معها لم يكن سوى من باب رفع العتب، حيث انها لم تؤخذ أصلاً على محمل الجد.

حراك التيار

وفيما تابع اللقاء الديموقراطي لقاءاته في سياق مبادرته لبلورة نوع من التوافق، انطلق التيار الوطني الحر في حراك رئاسي، وحطّ رئيس التيار النائب جبران باسبل في عين التينة ووضع رئيس مجلس النواب نبيه بري في صورة هذا الحراك الذي يرمي في جوهره الى انتخاب رئيس توافقي يطمئن كل الاطراف، وقادر على بناء الدولة وحماية لبنان، وتلحظ موافقة التيار على حوار او تشاور برئاسة بري كسبيل للاتفاق.

وبحسب معلومات «الجمهورية» فإنّ جو اللقاء بين بري وباسيل كان جيدا، بَدا فيه رئيس التيار الوطني الحر مندفعاً الى الحسم السريع للاستحقاق الرئاسي، مع التأكيد على انه بقدر ما انّ الاتفاق على اسم هو ضروري، فإنّ الاتفاق على برنامج إنقاذي يوازيه من حيث الضرورة القصوى. وعكست المحادثات تجاوب باسيل مع التوجّه الى الحوار او التشاور بما يفضي الى تفاهم بين القوى السياسية.

واشارت المعلومات الى أنّ رئيس المجلس ظَلّ على تأكيده من أن الحوار او التشاور بين المكونات السياسية يشكّل الباب الاساسي لإتمام الانتخابات الرئاسية بالتوافق بين الاطراف، وهو في الوقت ذاته مع كل مبادرات او حراكات او جهود تساعد على تحقيق هذه الهدف، اي التوافق الذي من دونه لا مجال لحسم الانتخابات الرئاسية.

بري

واكد بري لـ»الجمهورية» انه «لا يرى ايّ مبرر لرفض البعض الحوار او التشاور، خصوصاً انّ هذا الرفض يُطيل من عمر الازمة الرئاسية». وقال إنّ «التوافق هو المطلوب اولاً واخيراً، والمبادرة التي أطلقتُها الى التشاور فيما بين المكونات السياسية، حَدّدتُ سقفها أسبوعاً، ولكن يمكن ان نتّفق في يوم واحد، سواء على رئيس للجمهورية إن أمكَن ذلك، وإن تعذّر ذلك نتّفق على اسمين او ثلاثة، وننزل الى مجلس النواب بجلسات متتالية، ودورات متتالية، يعني دورة اولى وثانية وثالثة ورابعة، وهكذا تستمر الجلسات على هذا المنوال حتى نتمكن من انتخاب رئيس الجمهورية».

واذا كان بري يعتبر انّ الاتفاق على مرشح أو اكثر هو امر مطلوب ومُلحّ، الّا انه في الوقت ذاته يؤكد انّ ما هو مُلحّ ومطلوب قبل ذلك، هو التوافق السياسي على تأمين نصاب الانعقاد والانتخاب في الجلسة الانتخابية اي نصاب الثلثين، وهنا يكمن الهدف الرئيسي من التشاور هو توفير غطاء سياسي للنصاب والتزام كل الاطراف بذلك، اي الالتزام بأن يبقى في القاعة العامة في جلسة الانتخاب 86 نائباً ولا يغادرونها.

ورداً على سؤال، قال: قد نتفق في التشاور على مرشح او اثنين او اكثر، وبمجرّد بلورة اتفاق سياسي على النصاب، والالتزام الحقيقي والأكيد بالنصاب، ننزل الى مجلس النواب، وننتخب رئيساً للجمهورية من بين هؤلاء المرشحين. ولستُ أستبعد أبداً انّ في امكاننا أن «نخلّص» في جلسة واحدة، شرط ان يبقى نصاب الثلثين متوفراً في الجلسة.

باسيل

وكان باسيل قد قال بعد اللقاء مع بري أمس: «أنا لا أحمل مبادرة وهذا ليس عملي، ولكن مسؤوليتي وتكتل «لبنان القوي» أن نسعى للعمل مع الجميع عندما نرى أنّ هناك فرصة مهما كان حجمها لإتمام الاستحقاق الدستوري».

ورأى انّ «التسوية الحقيقية هي التفاهم بين اللبنانيين»، مشيراً الى أننا «لن ننجح في انتخاب رئيس من دون نسج تفاهم. والتفاهم يكون على رئيسٍ توافقي. ومن هنا كانت فكرة التشاور أو الحوار. والتفاهم هو لنؤمّن أصوات 86 نائباً يؤمّنون هم بدورهم نصاب الجلسة».

وقال: «توافقنا مع الرئيس بري على فكرة اساسية أن التفاهم أفضل من الانتخاب، لأنّه إذا رَبح مرشح فريق على آخر فإنّ ذلك لا يؤمّن نجاح عهده. نحن نريد تأمين نجاح الانتخاب ونجاح العهد، ولهذا التفاهم أولوية. واكدنا انه إذا لم يحصل التفاهم عندها نكون قد ضَمِنّا الانتخاب بالتصويت لأنه يكون أفضل من الفراغ ولكن الخيار الأساسي هو للتفاهم».

ورَد باسيل على رئيس تيار المرده سليمان فرنجيه، قائلًا: «من يريد أن يطرح نفسه رئيساً أو رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع «بَدكُن يعرف يحسب صَحّ ويعرف مين الأول. كنّا بواحد ما بيعرف يعدّ صرنا بتنين»؟.

وبعد الظهر زار باسيل، على رأس وفد من التيار، بيت الكتائب المركزي في الصيفي للقاء نواب المعارضة، التي روّجت أوساطها قبل اللقاء بأنّ باسيل يسعى من خلال حراكه الى ان يكون «بيضة القبّان» في اللعبة السياسية، وانها ستبلغ رئيس التيار بأنها لن تقبل بحوار يرأسه بري.

رفض قواتي

في هذا الوقت، نُقل عن مصادر في «القوات اللبنانية» قولها: اذا أصَرّ بري على الحوار، فليدعُ الى حوارٍ بمَن حضر ومن يُريد المشاركة فليفعل، ولكنّنا لن نسجّل ذلك على أنفسنا ولا نقبل بضمانات تُكرّس أعرافاً مخالفة للدستور، والضمانة الوحيدة هي الالتزام بالدستور.

مواجهات وإسقاط مسيّرة

على المقلب الجنوبي، بقيَ الوضع على حاله من المواجهات العنيفة بين «حزب الله» والجيش الاسرائيلي، تخللتها غارات اسرائيلية بالطيران الحربي والمسيّر بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف على بعض المناطق والبلدات الجنوبية، قابَلتها سلسلة عمليات قام بها «حزب الله» ضد مواقع الجيش الاسرائيلي وقواعده العسكرية والمستوطنات، وكان البارز يوم امس تَمَكّن «حزب الله» من إسقاط مسيرة جديدة اعترف الجيش الاسرائيلي بإصابتها وسقوطها في الاراضي اللبنانية، وهي من نوع «كوخاف» (هيرميز 900). فيما ذكر الاعلام الاسرائيلي انها المسيّرة الخامسة التي يتم اسقاطها منذ بداية الحرب.

وحول إسقاطها، أعلن الحزب في بيان انه «أثناء المراقبة والمتابعة الدائمة لحركة العدو في الاجواء اللبنانية، كَمنَ مجاهدو المقاومة الاسلامية لمسيّرة من نوع هيرميز 900 مسلحة بصواريخ لتنفّذ بها اعتداءات على مناطقنا، وعند وصولها الى دائرة النار استهدفها المجاهدون بأسلحة الدفاع الجوي قبل تنفيذ اعتدائها، وأصابوها اصابة مباشرة وتم إسقاطها».

كما اعلن الحزب انّ المقاومة الاسلامية استهدفت موقع بياض بليدا وموقع الرادار في مزارع شبعا، ومبنى يستخدمه جنود العدو في مستعمرة افيفيم، والتجهيزات التجسسية في ثكنة راميم، ومبنيين يتمركز فيهما جنود العدو في مستعمرة المنارة، وشنّت هجوما جويا بسرب من المسيّرات الانقضاضية على مقر قيادي تابع لفرقة الجولان 210 شاعل، استهدف اماكن تموضع ضباط العدو وجنوده، واوقع فيهم اصابات مؤكدة كما تم تدمير جزء من المقر. كما شنت هجوما جويا بسرب من المسيرات الانقضاضية على مقر قيادي مستحدث شرق نهاريا.

حراك الهدنة وتراجع الحرب

وفي وقت تنشط فيه الحركة الاميركية لاحتواء التصعيد على الجبهة الجنوبية ومنع تدحرجها الى حرب واسعة، ومحاولة فرض هدنة في قطاع غزة، التي يتولاها وزير الخارجية الاميركية انتوني بلينكن، الذي وصل الى اسرائيل أمس، للدفع بمبادرة الرئيس الاميركي جو بايدن، برزَ استبعاد اسرائيلي للحرب، حيث نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين اسرائيليين قولهم: «انّ الحرب في لبنان ليست حتمية، وقد أبدينا انفتاحنا على الجهود الديبلوماسية لباريس وواشنطن». فيما برز على الخط الموازي تأكيد من قبل «حزب الله» مفاده «اننا لا نريد الحرب، ولكن إن وقعت فإننا سنخوضها»، وكذلك اعلان من قبل وزارة الخارجية الايرانية عن «ان المقاومة لن تقف مكتوفة الايدي اذا أقدمت اسرائيل على مغامرة في لبنان».

الهدنة تقترب

الى ذلك، كشفت مصادر رسمية لـ»الجمهورية» عما سَمّتها معلومات ديبلوماسية غربية مؤكدة، ترجّح بلوغ هدنة في قطاع غزة في وقت قريب، خصوصاً انّ الدفع الاميركي «كبير جداً» في هذا الاتجاه».

وفي رأي المصادر ان المعلومات الديبلوماسية مستندة الى خفايا الموقف الاميركي الذي باتَ يدرك انّ اداء حكومة بنيامين نتنياهو بات يشكل اضراراً بمصلحة اسرائيل، وانّ بلوغ هذه الهدنة وشمولها جبهة لبنان يؤمّن هذه المصلحة، ومن هنا تمارس واشنطن ضغوطاً جدية على اسرائيل، ليست معزولة عنها استقالات بيني غانتس وغادي ايزنكوت وآخرين، والتي تتقاطع مع تقديرات المحللين والمعلّقين بأنّ هذه الاستقالات ستكون لها تداعيات على المستويين السياسي والعسكري، خصوصاً انّ جميع دول الغرب الداعمة لإسرائيل باتت تدرك انّ الاستمرار بالدعم أصبح أصعب بعد استقالة غانتس وايزنكوت.

يُشار في هذا السياق الى ان الاعلام الاسرائيلي بمجمله بات يركز على اهمية بلوغ هدنة توفّر صفقة تبادل للاسرى، وأورد انه بالرغم من تَمكّن الجيش الاسرائيلي من استعادة 4 من الاسرى، الا انّ هناك توافقاً في المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على أنّ السبيل لإعادة الأسرى هو من خلال صفقة. وهو الامر الذي ركّزت عليه صحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية التي نقلت عن مسؤولين اميركيين واسرائيليين قولهم انه لن تتم اعادة غالبية الاسرى الاسرائيليين المُتبَقّين في قطاع غزة الّا من خلال الوسائل الديبلوماسية.

وأعلنت هيئة البث الاسرائيلية، نقلاً عن مسؤؤولين سياسيين، قولهم «اننا لن نتمكن من الوصول الى تسوية في الشمال من دون التوصل إلى اتفاق في غزة».

الى ذلك، اعتبرت صحيفة «The Telegraph» البريطانية أنّ «الصراع الطاحن على الحدود اللبنانية الإسرائيلية أصبح موضع تركيز حاد في الأيام الأخيرة بعد أن وصلت الضربات عبر الحدود إلى مستوى جديد من الشدة باستخدام أسلحة أكبر وأكثر تطوراً، ممّا عَمّق المخاوف من صراع شامل بين «حزب الله» وإسرائيل أو حتى حرب إقليمية.

واشارت في تقرير الى انه «رغم أن المواجهة على الحدود الشمالية أصبحت غير محتملة، فإنّ قليلين يعتقدون أن الحكومة الإسرائيلية، باستثناء عناصرها الأكثر تطرفاً، تريد فتح جبهة ثانية». وبحسب التقرير فإن مشكلة الحرب المنخفضة الحدة هي أنها عرضة لسوء التقدير والتصعيد، وفي الأيام القليلة الماضية وصلت إلى مستوى خطير حقاً. انها لحظة حساسة للغاية بين الطرفين. ومن الناحية المنطقية، لا يرغب أيّ من الطرفين في مواجهة بعضهما البعض في حرب شاملة، لكن السؤال هو عند أي مرحلة سيعبران نقطة اللاعودة».

كما اشار التقرير الى ان اسرائيل لم تتمكن من فصل الوضع في الشمال عن الجنوب، مما تركها في «حلقة مفرغة» كما قالت سيما شاين، وهي مسؤولة كبيرة سابقة في الاستخبارات الإسرائيلية. وأضافت: «لم يتم اتخاذ قرار بعد، لكن يمكنني أن أقول لكم إن هناك ضغطًا متزايدًا في المؤسسة الأمنية للتوجّه نحو شيء أوسع».

ولفت التقرير الى انّ «العملية البرية خطيرة واكثر صعوبة من غزة، ورجّحت تقديرات المحللين انّ الضرر في اسرائيل سيكون شديداً وفي لبنان كارثياً. وخَلُصت الى أن السيناريو المخيف المتمثّل في الدمار الواسع النطاق في لبنان وإسرائيل، من خلال الصراع المتصاعد الذي يمكن أن يجذب المجموعات الموالية لإيران في سوريا والعراق واليمن إلى القتال، دفعَ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تحذير إسرائيل من فكرة الحرب المحدودة» في لبنان».