Beirut weather 28.54 ° C
تاريخ النشر June 9, 2026
A A A
معادلتان متعاكستان: الضاحية مقابل الشمال
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

لم يبدأ التحول من بيان سياسي، بل من تهديد عسكري. فقد أعلن نتنياهو، بعد قصف حزب الله مستوطنات الشمال بخمسة صواريخ، أنه أمر بتوسيع العمليات في لبنان، ووجّه مع وزير الدفاع تهديداً مباشراً إلى الضاحية الجنوبية إذا استمرت هجمات حزب الله على مدن الشمال. وفي الصيغة الأميركية للتفاهم الأولي، كما نُقلت عن مسؤول أميركي، كان المطلوب أن يوقف حزب الله هجماته على “إسرائيل”، في مقابل امتناع “إسرائيل” فقط عن التصعيد في بيروت، لا عن وقف الحرب في الجنوب ولا عن الانسحاب. هنا ظهرت معادلة أحادية: أمن الضاحية مقابل وقف استهداف الشمال، بينما تبقى يد “إسرائيل” مفتوحة في الجنوب.

 

هذا التهديد كان اعترافاً عملياً بعجز القوة العسكرية الإسرائيلية عن منع قصف الشمال بوسائل الحرب المباشرة. فلو كان الجيش قادراً على حسم المعادلة في الميدان لما احتاج نتنياهو إلى تهديد الضاحية كورقة ضغط على بيئة المقاومة. وجاء الرد السياسي اللبناني من الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام برفض ربط لبنان بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية، والدعوة إلى حماية لبنان عبر مسار تفاوضي رسمي. لكن حزب الله رفض صيغة الهدنة الجزئية التي تنقذ بيروت وضاحيتها مقابل وقف هجمات المقاومة على “إسرائيل”، بما يعني إسقاط محاولة تثبيت معادلة «الضاحية مقابل الشمال» بصيغتها الأميركية – الإسرائيلية، لكن فجأة ظهرت إيران على الشاشة عبر تهديدات أطلقها مسؤولون إيرانيون بأن إيران سوف تستهدف الشمال الإسرائيلي إذا تعرّضت الضاحية وبيروت للاستهداف، وأن على مستوطني الشمال إخلاء بلداتهم إذا قصفت الضاحية.

 

دخلت واشنطن على الخط سريعاً. أعلن ترامب، في الأول من حزيران، أنه تحدّث إلى نتنياهو وإلى ممثلين عن حزب الله عبر وسطاء، وأن «كل إطلاق النار سيتوقف»، وأنه لن تكون هناك قوات إسرائيلية ذاهبة إلى بيروت، وأن القوات التي كانت في الطريق أُعيدت. هذه الصيغة ألغت تهديدين معاً: التهديد الإسرائيلي بضرب الضاحية، والتهديد المقابل بانفجار الجبهة على نحو يطيح بمسار التفاوض مع إيران. لكن الوقائع اللاحقة أظهرت هشاشة الاتفاق، إذ سُجلت هجمات متبادلة بعد إعلان ترامب، وبقي الجنوب تحت النار.

 

ثم جاءت جولة السابع من حزيران لتثبيت المعنى الأخطر. حيث أطلق حزب الله خمسة صواريخ جديدة على الشمال، وقالت رويترز إن الجيش الإسرائيلي ضرب بنى لحزب الله في الضاحية بعد إطلاق نار باتجاه شمال “إسرائيل”، وإن نتنياهو ووزير دفاعه أعلنا أن الضربة جاءت رداً على إطلاق حزب الله نحو الأراضي الإسرائيلية، فيما نقلت وسائل إعلام أن الضربة أوقعت قتيلين و11 جريحاً. وفي المقابل، أطلقت إيران ابتداءً نحو 10 صواريخ بالستية باتجاه شمال “إسرائيل” رداً على الضربة في الضاحية، وفق الغارديان، فدخلت طهران عملياً في تثبيت معادلة جديدة: الضاحية لا تُحمى بامتناع حزب الله عن قصف الشمال، بل بردع إيراني يجعل ضربها سبباً لفتح النار على الشمال.

 

لم تستطع “إسرائيل” عدم الردّ على إيران، كما لم تستطع إيران عدم الرد على الضاحية، وكما لم يستطع حزب الله عدم الرد على محاولة تكريس معادلة تضع عليه وحده موجبات وقف النار. لكن سلسلة الردود انتهت إلى توقف نسبي للقصف وبقاء المعادلات. إسرائيل قالت إنها لن تسمح لإيران وحزب الله بفرض «نموذج أمني جديد»، لكن ترامب قال لنتنياهو، بحسب القناة 12 كما نقلت جيروزاليم بوست: «كن حذراً، قد تجد نفسك وحيداً ضد إيران قريباً جداً»، وأضاف أن الإسرائيليين أبلغوا واشنطن في مرحلة متأخرة جداً وأنهم كانوا «في الطريق إلى إيران»، وأنه تمكن من خفض حجم الهجوم.

 

في الخلفية، كان اليمن قد دخل على الخط وبقي في المشهد وبيده مضيق باب المندب الذي أُقفل أمام السفن الإسرائيلية، بما أعاد حضور محور المقاومة منذ حرب غزة ولكن لإسناد لبنان هذه المرة، والأهم أن إيران رفعت سقف الربط بين الجبهات. فقد قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن أي وقف نار بين واشنطن وطهران يجب أن يكون «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، وإن خرقه في جبهة هو خرق له في كل الجبهات. كما أن طهران لوّحت بإعادة النظر في محادثاتها مع واشنطن إذا وسعت “إسرائيل” عملياتها ضد الضاحية، وأن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني جعل المطلب الأساسي في لبنان انسحاب “إسرائيل” إلى مواقع ما قبل الحرب.

 

هنا تتضح الخلاصات. الأولى أن معادلة «الشمال مقابل الضاحية» انتقلت من صيغة إسرائيلية – أميركية تريد إلزام حزب الله وحده إلى صيغة عكسية، ضرب الضاحية يستدعي فتح الشمال على الرد الإيراني والمقاوم. الثانية أن واشنطن حسمت، حتى الآن، أن العودة إلى حرب واسعة مع إيران ليست خياراً مضمون النتائج، وأن السير خلف الاندفاع الإسرائيلي يحمل مخاطر لا تريدها، ولذلك قال ترامب إن نتنياهو لن تكون لديه حرية القرار إذا تعارضت الحرب مع الاتفاق الأميركي – الإيراني. الثالثة أن محور المقاومة عاد لاعباً ميدانياً حول لبنان، لا مجرد ظهير سياسي. والرابعة أن إيران وضعت وقف الحرب على لبنان، وخصوصاً الجنوب، داخل أي أفق تفاوضي مع واشنطن. ومن هنا يكتسب كلام السفير الأميركي في بيروت بعد لقاء الرئيس بري مغزاه: حيث لم يعد ممكناً تسويق اتفاق يلزم حزب الله وحده، بل بات الحديث، ولو بالتدرج، عن تسوية متوازنة تشمل وقف النار والانسحاب وعودة النازحين والأسرى، أي تحميل “إسرائيل” موجبات موازية بعدما ثبت أن الأمن لا يُصنع من طرف واحد.

 

هذا يحدث عشية التحضير لجولة تفاوض لبنانية إسرائيلية للبحث عن اتفاق بديل لاتفاق ولد ميتاً، وعشية احتمال اكتمال عناصر الإفراج عن اتفاق أميركي إيراني يكون لبنان في قلبه.