Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر November 6, 2016 06:08
A A A
حكومة الحريري قبل الاستقلال
الكاتب: دوللي بشعلاني - الديار

ينطلق رئيس «تيّار المستقبل» النائب سعد الحريري في تشكيل حكومة العهد الأولى بعد الاستشارات النيابية التي أجراها خلال اليومين الفائتين، واستمع خلالها الى طلبات الكتل والوزارات التي تطمح بالحصول عليها. وعلى ما يبدو حتى الآن، لن تكون هناك معارضة لهذه الحكومة، على ما أكّدت أوساط سياسية عليمة، لا سيما بعد أن أعلنت الأطراف عن نيّتها بالمشاركة في الحكومة من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، الى «تيّار المردة» فحزب «الكتائب اللبنانية»… شرط أن تُعطى حقائب مهمّة.

وبين الحقائب السيادية والوسطى والعادية، تنوّعت طلبات الأحزاب والكتل النيابية، فالقوّات اللبنانية تريد حقيبة سيادية، والرئيس برّي كذلك وتحديداً المالية، و«تيّار المستقبل» الداخلية، وما الى ذلك… غير أنّ الأمور لا تبدو مستحيلة، ولن تتطلّب «الجهاد الأكبر»، على ما وصف برّي الاستحقاقات التي ستلي عملية انتخاب الجمهورية، وقد وصلت البلاد الى الاستحقاق الأول الذي يتلو الانتخاب أي تشكيل الحكومة.

وما دامت النيّة في المشاركة في حكومة الرئيس الحريري موجودة، فإنّ «الشيطان الذي يكمن في التفاصيل»، كما يُقال، والذي غالباً ما يتمكّن من أن «يُفسد في الودّ قضية»، لن يكون سيّد الموقف هذه المرّة، على ما لفتت الأوساط نفسها، إذ من المتوقّع أن يجري توزيع الحقائب على الأطراف السياسية في مدّة أقصاها أسبوعان لاعتبارات كثيرة أبرزها:

1- إنّ المماطلة في تشكيل الحكومة لمدة شهر أو أشهر سوف يُفقد زخم التوافق السياسي الذي حصل بين جميع الأطراف السياسية قبل أسبوعين من الانتخاب، والذي أدّى في نهاية الأمر الى إيصال العماد ميشال عون رئيساً الى قصر بعبدا. وهذا الزخم لا بدّ أن يُستكمل في الإسراع في تشكيل الحكومة لكي ينطلق عهد الدولة والقانون انطلاقة قوية وثابتة.

2- إنّ الاحتفال السنوي بذكرى عيد الاستقلال، وهو العيد الذي يوحّد جميع اللبنانيين، والذي ألغي الاحتفال به في العامين الماضيين (2014 و2015) بسبب استمرار شغور منصب رئيس الجمهورية، وكان ذلك الأمر يحصل للمرة الأولى في العام 2014 منذ نهاية الحرب في لبنان عام 1990، لا بدّ وأن يكون هذه السنة مختلفاً. فوجود رئيس جمهورية قوي على رأس السلطة هو العماد ميشال عون، لا يُمكن أن يمرّ مرور الكرام، أو أن يقبل أن يُمرّر الذكرى الوطنية الـ 73 للاستقلال على غرار العامين الفائتين وكأنّ الموقع الرئاسي لا يزال شاغراً. لهذا فمن المنطقي أن يقوم الرئيس الحريري المكلّف تشكيل حكومته قبل تاريخ 22 تشرين الثاني الجاري، لكي يكون وجود الرئيس عون، الى جانب رئيس الحكومة الحريري والمجلس النيابي برّي، ليس للصورة التذكارية فقط في ذكرى الاستقلال، ولاستقبال المهنئين بالعيد، بل لكي يشهد لبنان واللبنانيون والعالم، انطلاقة عهد قوي لا يضيع في التفاصيل، ولا يهدر المزيد من الوقت.

3- إنّ طلبات الكتل النيابية التي تصبّ في اتجاه واحد كرغبة كتل كثيرة منها في الحصول على حقيبة المالية، على سبيل المثال، لن تعيق تأليف الحكومة، إذ يُمكن استبدال حقيبة سيادية أو غير سيادية بأخرى، وخصوصاً أن ثمّة حقائب للجميع. ويُمكن بالتالي توسيع الحكومة إذ ما كان هدف جميع الأطراف تقاسم الحقائب بهدف العمل الفعلي وإنجاح عمل حكومة الوحدة الوطنية، على ما يُفترض، وليس المحاصصة أو تقاسم المغانم.

4- إنّ التوافق الذي حصل على انتخاب الرئيس، والذي قدّم فيه عدد من الشخصيات السياسية التنازلات، مثل الحريري وجعجع وجنبلاط وسواهم، سينسحب توافقاً آخر في حكومة الرئيس الحريري، الأمر الذي لن يُعرقل التأليف، بل سيحصل سريعاً على ما سيسعى الحريري لإبراز صورة التوافق السياسي الفعلية.

من هنا، فإنّ التأخير في تشكيل الحكومة، لن يكون مبرّراً، على ما ذكرت الأوساط، ولا سيما أنّ الكتل النيابية قد قطعت شوطاً كبيراً في التوافق على العماد عون أولاً، وعلى الحريري ثانياً. ولا يمكنها اليوم بالتالي أن تضيع في التفاصيل، أو أن تصرّ على هذه الحقيبة أو تلك، ما دام الهدف الأساسي من تشكيل الحكومة الأولى للعهد، أن تكون لهذا البلد حكومة وطنية جامعة تسيّر أمور المواطنين، وتعمل على حلّ كلّ الملفات العالقة من الحكومة السابقة، أي حكومة تصريف الأعمال التي لا تزال تمارس عملها حتى الآن.

ورأت أنّ وقوف عون – الحريري – برّي جنباً الى جنب في عيد الاستقلال سيُعطي انطباعاً بالجدية والالتزام من قبل المسؤولين السياسيين، بأنّه سيكون للبنانيين أخيراً دولة، مبنية على القانون والعدالة والشراكة، تُبقي أولادهم فيها، ولا تعمل على تهجيرهم بسبب البطالة أو عدم توافر فرص العمل، أو حتى مزاحمهتم على الأعمال والمهن من قبل كلّ الغرباء المقيمين مؤقّتاً على أرض هذا الوطن.
فالرئيس الحريري أبدى ارتياحه، على ما أشارت، بعد الاستشارات النيابية، رغم كثرة الطلبات على بعض الحقائب نفسها، لأنّه لمس لدى الجميع، نيّة جدية على التعاون الفعلي معه ومع حكومته الأولى للعهد، من أجل إنهاض الوطن من كبوته، بعد سنتين وخمسة أشهر من الجمود ومن تراكم الخلافات والملفات. وهو يتجه الى توسيع عدد الحقائب في حكومته، إرضاء للجميع، وإن كان هذا الأمر لن يكون ممكناً، إذ سيبقى بعض العاتبين، وإلاّ لألّف الحكومة، على ما قال أحد مناصريه ممازحاً، من 128 وزيراً، على غرار عدد النوّاب.

وذكّرت بأنّ عدة حقائب كان يرفضها سابقاً بعض الأطراف، أصبحت اليوم مطمع الكثيرين بعد أن حصل عليها وزراء «التيار الوطني الحرّ»، وتمكّنوا من تحويلها الى وزارات حيوية، مثل وزارة الطاقة والاتصالات والتربية وسواها. علماً أنّ الخارجية كوزارة سيادية يُطالب بها الكثيرون أيضاً، كما أنّ الحقائب الخدماتية غالباً ما تستقطب المواطنين حولها، ولهذا فالعمل بها يخدمهم كما يخدم الوطن. وتقول انّه ليس هناك بالفعل من وزارة غير مهمة للمواطنين وللبلد، ولهذا فعلى الجميع العمل بوزاراتهم بجدية لكي تثمر مشاريعها.
وفي مطلق الأحوال، فإذا لم تنجح مساعي الحريري في تشكيل الحكومة المنشودة، على ما استبعدت الأوساط نفسها، فإنّ حضوره في ذكرى الاستقلال، سيكون الى جانب الرئيس تمّام سلام الذي استطاع، بحسب رأيها، أن يضبط الوضع الى حدّ ما داخل الحكومة مرات عديدة منعاً لتفجيرها وإدخال البلاد في الفراغ الشامل. فضلاً عن وجود رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والى جانبه الرئيس برّي.