Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر November 6, 2016 05:12
A A A
ملامح الإنهيار الاقتصادي تنتخب الرئيس
الكاتب: الدكتور عبد الله ناصر الدين - الديار

لعب وضع الاقتصاد اللبناني وحجم تراجعه المحرك الابرز في تعجيل الاستحقاق الرئاسي واجتماع التناقضات السياسية. كما من المحتمل ان يكون قطاع النفط والغاز من ابرز بنود الصفقة الرئاسية. وبعيدا عما يتم تداوله عن دول المنشأ في صناعة الرئيس، والذي يمكن التكهن والتبصير به الى ما لا نهاية، فان ما لا لبس فيه ان وضع لبنان الاقتصادي كان بدأ ينذر بازمة اقتصادية لها تداعيات كبيرة على الوضع المالي والنقدي في البلد وانه ساهم في فك المعضلة السياسية. اضف الى ذلك نضوج ملف قطاع النفط والغاز وما له من اهمية في درء المخاطر المستقبلية للوضع المالي والمصرفي، وفي ان يكون مصدر جديد لتقاسم مغانم السلطة. بعض مؤشرات التراجع واضحة كما سيتم التطرق الى بعضها الا ان تقييمنا لسياسات المصرف المركزي واسباب وتداعيات هذه السياسات كانت المؤشر الابرز لدخول الاقتصاد اللبناني في المحظور وامكانية هبوط الهيكل العفن على رأس الجميع.

يعتبر صافي التدفقات، ميزان المدفوعات، ونمو الودائع، اهم المؤشرات الاقتصادية في لبنان في ما يخص ديمومة المنظومة المالية القائمة، ان اي تراجع جدي وبنيوي في هذه المؤشرات ينذر بوقوع ازمة الافق. يعتمد لبنان من اجل تعزيز صافي التدفقات على السياحة (7.6% من الناتج)، الاستثمارات المباشرة في القطاع العقاري، اضافة الى تحويلات المغتربين. وفي السنوات الاربع الاخيرة، شهد لبنان تراجعا في كل هذه المؤشرات. فتراجع التحويلات المالية من الخارج بدأ بالتفاقم وادى الى تراجع صافي التدفقات وتسجيل سلبي في ميزان المدفوعات، اضافة الى تباطؤ في نمو الودائع. فحسب البنك الدولي فقد تراجعت التحويلات بنسبة 8.4% في العام 2014 و3.3% في2015. كما ان القوانين المالية الدولية المفروضة على لبنان ولا سيما قانون الـ GATCA الذي سيدخل حيز التنفيذ مع بداية العام المقبل سيقلص من فعالية السرية المصرفية في جذب الرساميل التائهة والباحثة عن ملجأ آمن. كما ان عدم الاستقرار في المنطقة وموقف دول مجلس التعاون الخليجي كان لهما اثر بارز على تراجع السياحة وتراجع الاستثمار في القطاع العقاري الذي تشير جميع المؤشرات الى تراجعه بشكل مقلق. اضف الى ذلك التراجع في اسعار النفط والذي رغم تأثيره الايجابي على ميزان المدفوعات في العام 2014 الا ان اثاره السلبية بدأت تأخذ مفاعيلها بشكل جدي على التحويلات في العام الجاري وخصوصا مع ازمة سعودي اوجيه في المملكة العربية السعودية وما لها من مفاعيل على التحويلات المالية. وعليه فان ميزان المدفوعات سجل عجزا بـ 3.35 مليارات دولار في 2015 وتراجع نمو الودائع الى 5.2 % في 2015 مقارنة بـ 11.5% في العام 2010 ومن 3.5 مليارات في الاشهر الخمس الاولى من 2015 الى 2.3 مليار فقط في الفترة نفسها من العام الحالي.

اضافة الى ذلك، فان جميع المؤشرات الاقتصادية الاخرى ولا سيما التصنيفات العالمية اظهرت تراجعاً سريعاً في موقع لبنان. فمؤشر التنافسية لمنتدى الاقتصادي العالمي يشير الى تراجع من المركز 30 الى المركز 52 في ما يخص الصحة والتعليم وكذلك احتلال لبنان المركز 103 على سلم التنافسية متقدما فقط على مصر وموريتانيا واليمن بين الدول العربية، ما يعكس مستوى الفساد والكنتونات الاقتصادية المتحكمة بالاقتصاد اللبناني. وتراجع لبنان الى المركز 126 عالميا بالنسبة لمؤشر «سهولة انشطة الاعمال» في تقرير 2017 متراجعا اربع مراكز والى المركز 11 عربيا. يشير التقرير الى فشل لبنان بالقيام بأي اصلاح جدي واحد في العام المنصرم. بمعنى آخر، لبنان بحالته اليوم بلد فاسد، القضاء فيه عاجز، وغير قابل لجذب الاستثمارات.كما ان مؤشر التضخم سجل مستويات سلبية في العام الثاني على التوالي وما لذلك من تداعيات خطيرة على القطاع المصرفي لما يسببه من تحول المخاطر التشغيلية الى مخاطر مالية ونقدية لعل من أبرز ما يوحي بوجود أزمة في الأفق هو تقرير مؤسسة Moody’s في شهر تموز والهندسة المالية الأخيرة للمصرف المركزي. ان تدارك الانهيار الاقتصادي اذاً يحتاج الى اصلاحات تخلق فرصاً جديدة وتريح الوضع المالي والنقدي، ولا يمكن تحقيق ذلك الا عبر اعادة تفعيل عمل المؤسسات الدستورية والذي يبدأ بإقرار الموازنة وضبط العجز.

ويأتي قطاع النفط والغاز في صلب الحلول لما يواجهه الاقتصاد اللبناني لما له من قيمة اجمالية لا تقل عن 300 مليار دولار (وذلك حسب الاسعار الحالية). لذلك، فمن المتوقع تحريك الملف فور تشكيل الحكومة وتشكيل لجنة وزارية مصغرة لوضع التعديلات اللازمة على مراسيم التلزيم للمرحلة الاولى من استكشاف وانتاج النفط والغاز، والذي كما يبدو قد تم الاتفاق على تلزيم معظم البلوكات العشرة في آن واحد وفق ما يطالب به الرئيس بري. ان المباشرة في تمرير المراسيم اللازمة يعني التلزيم في غضون 6 اشهر وبذلك امكانية الاستخراج بعد 5 سنوات اي قبيل انتهاء العهد الرئاسي للرئيس ميشال عون.

ان خطوات المصرف المركزي في تحفيز الاقتصاد وانقاذ المصارف ودعم الليرة لا يمكن ان تؤدي مرتجاها على المدى البعيد، فهي تحتاج بموازاتها الى اصلاحات من مهام الحكومة. ومع دخول لبنان في حقل الغام اقتصادية تنعكس سلباً على الجميع، وتحذيرات معلنة وغير معلنة من امكانية انهيار الوضع المالي، كان لا بد من اللجوء الى الاسراع في انهاء الفراغ تماشياً مع الصرخات المتزايدة للهيئات الاقتصادية من اجل استكمال جهود المصرف المركزي في درء خطر تفاقم المالية العامة. هل سيستطيع العهد الجديد حل المعضلة الاقتصادية؟ في المرحلة المقبلة، قد يتم مجدداً الاعتماد على مصادر نمو ظرفية عبر بوابة القطاع العقاري دون القيام بالاصلاحات البنيوية المطلوبة والتي تتطلب تطوير البنى التحتية (وتقليص دور المنتفعين من الفساد) والى التخطيط المركزي الشامل في الحكومة (والذي يبدو بعيد المنال) الذي يساهم في ضبط العجز. دون هذه الاصلاحات، فان الأزمة الاقتصادية الكبرى قد تؤجل لبعض السنوات لتعود الى الظهور وبشكل أخطر في أفق لبنان الليس ببعيد.
***

استاذ الاقتصاد في جامعة بيروت العربية