Beirut weather 9.84 ° C
تاريخ النشر November 1, 2016 05:50
A A A
عودة الى القصر في زمن مختلف
الكاتب: رفيق خوري - الأنوار

العماد ميشال عون بدا على مدى عقود مثل بطل في تراجيديا يونانية. لكنه، خلافا لأبطال التراجيديا، ربح في صراعه مع القدر وصار أسطورة بالنسبة الى الخائفين على مصير لبنان. وأمس اكتملت دورة الأسطورة بتحقيق الحلم. واليوم يبدأ الواقع، وسط التخوّف من الكوابيس. ففي أيلول ١٩٨٨، حين صار واضحا ان الشغور الرئاسي سيخلف عهد الرئيس أمين الجميّل، رأى قائد الجيش العماد عون انه سيكون بعد ٢٣ أيلول المسؤول الوحيد الذي أقسم يمين الولاء للوطن. وكانت المعادلة التي طرحها هي القول: هناك كرسي فارغة، إما ان يعزموني عليها، واما أن آخذها بالقوة.

لكنه دعي الى كرسي رئاسة الحكومة التي تضم أعضاء المجلس العسكري لممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة حتى انتخاب رئيس بأسرع وقت. ثم جعل القصر الجمهوري مقرا له، ومارس كل الممكن من السلطات، وخاض حربين: حرب التحرير وحرب الإلغاء، ورفض الطائف وحلّ مجلس النواب ولم يعترف برئيسين انتخبهما. ولم يغادر القصر يوم ١٣ تشرين أول ١٩٩٠ إلاّ بالقوة العسكرية المغطاة بتفاهم سياسي سوري – سعودي برعاية أميركا.

يوم ٣١ تشرين أول ٢٠١٦ عاد الى قصر بعبدا رئيسا منتخبا بالأكثرية في المجلس النيابي، وسط مباركة واحتفالات شعبية لا مثيل لها في تاريخ انتخاب اثني عشر رئيسا للجمهورية. عاد بقوة تأييده من أربع كتل مهمة، الى جانب كتلته الكبيرة، مع ان الكتل الأربع ليست في موقف موحّد، ولا تفاهمات كل منها معه متطابقة.

أما المظلة الخارجية، فانها في اطار اللاممانعة أو التأييد السلبي على أساس ان المخاطر على لبنان كبيرة جدا، وانه لا أحد يرفض تفاهم اللبنانيين على خيار.

وفي الانطباعات السائدة حاليا نوعان من التقدير الخاطئ. الأول هو التصور ان الرئيس عون في القصر بعد ٢٦ سنة هو تماما العماد عون أيام بيت الشعب وشعب لبنان العظيم. والثاني هو التصور اننا في رئاسة عون جديد بالكامل. فالواقع انه لا شيء بقي كما كان قبل ربع قرن: لا الرئاسة، لا الجمهورية، لا التوازن الداخلي، لا أوضاع القوى الاقليمية وصراعات المحاور، ولا اللعبة على قمة العالم بين أميركا وروسيا. والكل يعرف حجم التحديات وصعوبة ادارة الوضع اللبناني المفتوح على الأوضاع الاقليمية، سواء كان الهدف هو بالفعل بناء دولة الحق والقانون أو مجرد تنظيم سلطة تستعيد الهيبة الضائعة.

أليس من المفارقات ودروس التجارب القاسية ان رئيس الحكومة الذي رفض الطائف هو اليوم رئيس الجمهورية الذي يعد بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني من دون انتقائية؟