Beirut weather 17 ° C
تاريخ النشر October 31, 2016 05:44
A A A
مدينة الباب «مفتاح مستقبل تركيا في سورية» أم مفتاح إخراجها منه؟
الكاتب: د. عصام نعمان - البناء

تبدو حلب اليوم محور الجهد العسكري في شمال سورية. تأكّد ذلك بتصريح فلاديمير بوتين الأخير: «لا خيار امام روسيا سوى تطهير وكر الإرهابيين في مدينة حلب، على الرغم من وجود المدنيين ايضاً».

لماذا قال بوتين «لا خيار أمام روسيا» ولم يقل لا خيار امام سورية او امام سورية وحلفائها؟

لأن روسيا تريد إفهام الولايات المتحدة وتركيا ودول حلف «الناتو» أنها معنية بالدرجة الاولى بمعركة حلب، وانها جادة في تحريرها من تنظيمات الإرهاب مهما كلّف الأمر، وأن التلويح بمنطقة حظر جوي فوق شمال سورية لن يثنيها عن استكمال مهمة التحرير.

واشنطن أدركت مؤدى رسالة بوتين. سلّمت بحتمية سيطرة سورية، ومن ورائها روسيا، على حلب، وبأن لا مساومة في هذا الأمر. غير أنها تحسّبت لاحتمال قيام دمشق بتوجيه جيشها ووحدات المقاومة المتحالفة معه إلى الرقة لتحريرها بالتزامن مع قيام الجيش العراقي و»الحشد الشعبي» بتحرير الموصل، فسارعت الى التفاهم مع رجب طيب اردوغان على التلويح بسيناريو جديد: مشاركة أنقرة في معركة الرقة بدءاً بالسيطرة على مدينة الباب، شمال شرق حلب، بدعوى تحريرها من «داعش»!

المفارقة أن موسكو كانت توصّلت الى تفاهم غير معلن مع أنقرة على إبقاء مدينة الباب خارج نطاق عمل قوات «درع الفرات» الموالية لتركيا. غير أن تطورات معركتي الموصل وحلب دفعت انقرة الى تعديل مخططها بإعلان أردوغان شخصياً خط تحرك ميدانياً مغايراً يرمي إلى لجم تقدّم الجيش السوري وقوى المقاومة الحليفة بإطلاق «ملحمة حلب الكبرى» بغية اختراق الأحياء الغربية للمدينة من جهة، ودفع قوات «درع الفرات» للسيطرة على مدينتيْ الباب ومنبج وصولاً الى المشاركة في معركة السيطرة على الرقة من جهة أخرى.

يبدو ان اردوغان جادٌّ في ما أعلنه بشأن الباب ومنبج، أي بشأن «المنطقة الآمنة» التي يبغي إقامتها في شمال سورية بمساحة لا تقل عن خمسة آلاف كيلومتر مربع. مَن يتابع وسائل الإعلام التركية يلاحظ اهتمامها الشديد، بإيعاز من حكومة اردوغان، بالأهمية التي تعلّقها انقرة على مدينة الباب. صحيفة «حرييت» وصفتها بأنها «مفتاح مستقبل تركيا في سورية». صحف أخرى كانت وصفت معركة الموصل وضرورة مشاركة تركيا فيها بأنها مفتاح مستقبل تركيا في العراق أيضاً إذ لها مطامع «عثمانية» قديمة في كِلا البلدين.

كيف ردّت موسكو ودمشق على هجمة تركيا الأخيرة المجازة أميركياً؟

لعلّ تصريح بوتين الأخير حول حتمية «تطهير وكر الإرهابيين في مدينة حلب» هو أول بواكير الردود الروسية التي تَرَدَدَ أنها ستتصاعد إلى أن يتمّ استكمال تحرير المدينة قبل انتهاء ولاية الرئيس باراك اوباما في 20 يناير/كانون الثاني المقبل.

الى ذلك، استضاف وزير خارجية روسيا اجتماعاً طارئاً مع نظيريه السوري والإيراني، تركّزت مباحثاته على اتخاذ التدابير وتوفير القدرات اللازمة لردٍ متعدّد الجوانب على «داعش» وحلفائه في جبهتي حلب والموصل، باعتبارهما مسرحاً واحداً لهجومه المتكامل ضد سورية والعراق في آن. ولعل أهم قرارين جرى اتخاذهما في هذا المجال تسريعُ عملية تحرير الأحياء الشرقية في حلب من تنظيمات الإرهاب، والتوافق على التدابير العسكرية اللازمة لمنع تهريب مقاتلي «داعش» المدحورين من الموصل الى الرقة في سوريا.

من مجمل التطورات السياسية والميدانية في مسرح الصراع السوراقي السوري – العراقي ، يمكن استخلاص الحقائق الآتية:

تنظيم «الدولة الإسلامية – داعش» هو نفسه مَن يحتلّ الموصل ومحيطها في العراق، والرقة وأجزاء واسعة من شمال حلب وجنوبها، ويتولّى بالتعاون مع قوى خارجية، إقليمية وغربية، مقاتلة حكومتي العراق وسورية بلا هوادة.

تركيا تتعاون مع «داعش» على نحوٍ واسع ومعقّد، وتشكّل المدخل الرئيس عبر حدودها الطويلة مع سورية والعراق لمقاتليه القادمين من شتى انحاء العالم، ولاسيما من دول آسيا الوسطى، ولأسلحته وعتاده ومدرّبي قواته.

الولايات المتحدة لا تستهدف في ضرباتها «داعش» بل تبتغي استخدامه في أغراضها، ولا سيما في سورية بدليل مساعدته مرات عدة كان آخرها قيام سلاحها الجوي بضرب مواقع للجيش السوري محيطة بمطار دير الزور العسكري لتسهيل اجتياحه، وإضعاف سورية اقتصادياً بضرب ثلاثة جسور على نهر الفرات.

ثمة تفاهم ضمني بين الولايات المتحدة وتركيا و«داعش» على تأمين انسحاب مقاتلي هذا التنظيم المندحرين من الموصل الى الرقة من أجل تصعيد القتال ضد سورية وجيشها وحلفائها.

دمشق وطهران وموسكو فسّرت الإعلان عن هجوم وشيك من قبل الولايات المتحدة وتركيا وحلفائهما المحليين لتحرير الرقة من «داعش» بأنه مجرّد دعاية في إطار انتخابات الرئاسة الأميركية من جهة، ولإحباط أي محاولة سورية لفتح معركة مبكرة لتحرير الرقة من جهة أخرى.

قد تفاجئ دمشق، بالتعاون مع حلفائها، «داعش» بشن هجوم مبكّر على مدينة الباب لتحريرها وبالتالي إجهاض المخطط التركي الرامي إلى إقامة «منطقة آمنة» في شمال سورية. وما «ملحمة حلب الكبرى» إلاّ محاولة داعشية وتركية لتعطيل هجوم الجيش السوري المرتقب لتحرير الباب.

إن لا تغيير محتملاً في سياسة الولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية الأمر الذي يعزز احتدام الصراع ضد وكلائها وحلفائها في الاشهر الثلاثة المقبلة.

الأرجح أن تكون روسيا وسورية وإيران قد اتفقت على ضرورة تحرير الأحياء الشرقية في حلب بالسرعة الممكنة مستفيدةً من «الشلل» النسبي للإدارة الأميركية في مرحلة الانتخابات الرئاسية. كما من المحتمل أن تكون الدول الثلاث قد توافقت على جدوى تحرير مدينة الباب بالتزامن مع معركة تحرير الموصل من «داعش» الأمر الذي يخدم اهداف سورية والعراق في مواجهتهما لتركيا الساعية الى انتزاع مكاسب جغرافية من البلدين بدعوى مواجهة الحركة الانفصالية الكردية في البلدان الثلاثة.

إذا تمكّن الجيش السوري من الوصول الى مدينة الباب قبل تركيا وحلفائها، فإن قول صحيفة «حرييت» التركية «إن الباب مفتاح مستقبل تركيا في سورية» يتحقق بشكل معكوس تماماً، إذ تصبح الباب مفتاحاً لإخراج تركيا من شمال سورية كما من مستقبلها…