Beirut weather 19 ° C
تاريخ النشر April 21, 2016 08:27
A A A
حلب بين جنيف والجنون التركي…
الكاتب: عمر معربوني - بيروت برس

076cbe13d3a4e65157b13245c88d07ae

منذ بداية الحرب على سوريا، شكّلت حلب مفصلًا أساسيًا في هذه الحرب وكانت ولا زالت هدفًا تسعى تركيا بشكل رئيسي الى تحقيقه عبر السيطرة على العاصمة الإقتصادية لسوريا وثاني اكبر مدنها.

في المبدأ، ورغم أنّ الدولة السورية لا تزال تبسط سيطرتها على اجزاء كبيرة من المدينة واريافها، إلّا أنّ تركيا عبر الجماعات المسلّحة التابعة لها استطاعت ان تُلحق بعصب الصناعة والإقتصاد خسائر هائلة، حيث خرج آلاف المصانع والمنشآت الصناعية من الخدمة بشكل نهائي، وهو أمر يساهم في تفاقم الأزمة المعيشية ليس لحلب فقط بل لكل سوريا.

وحتى لا نستغرق كثيرًا في العودة الى شرح الوقائع الميدانية في حلب واريافها، فإنّ ما حقّقه الجيش السوري على مدى سنتين وخصوصًا منها الأشهر الخمسة الفائتة غيّر من خرائط السيطرة الميدانية في الريف الحلبي بشكل أثّر في ميزان القوى. فبينما كانت الجماعات المسلّحة هي القوّة السائدة على الأرض، اصبح الوضع مختلفًا تمامًا في البعد الميداني وخصوصًا بعد الدخول الروسي لمصلحة الجيش السوري.

وانطلاقًا من هذه النتائج وبمنطق قوانين الصراع، كان لا بدّ لداعمي الجماعات المسلّحة ان يعملوا بإتجاه تغيير موازين القوى الجديدة، وهو أمر ما كان له ان يتحقق إلّا بالوصول الى وقف لإطلاق النار يتيح لهذه الجماعات إعادة تنظيم صفوفها، وكانت اميركا ضمنًا احد الساعين له عبر ضغوط سياسية واعلامية عديدة في تلك الفترة وهذا ما انتج القرار 2268 لوقف الأعمال العدائية وترسيخ الهدنة التي لم يكن واضحًا انها ستصل الى مرحلة التثبيت بنتيجة الخروقات المتكررة لها، وصولًا الى الهجوم على العيس والتلال المحيطة بها الذي يُعتبر مفتاح القضاء على الهدنة، وتلته منذ ايام الهجمات المتعددة في ارياف اللاذقية.

على المستوى السياسي، كان تصريح رياض حجاب اليوم حول تعليق وفد الرياض مشاركته في مفاوضات جنيف صدىً كبير في تأثيراته السلبية، ففي الشكل والمضمون تُعتبر هذه التصريحات ضربة لمسار العملية السياسية وخرقًا لأصول المفاوضات، فالتسوية تعني تقديم اطراف الصراع تنازلات متبادلة للوصول الى نتيجة تحقق مصلحة سوريا والسوريين، بينما يندرج ما صرّح به رياض حجاب ضمن استكمال معارك الميدان في السياسة وهو أمر خارج حسابات الدولة السورية. فلا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يحصل اي طرف على مكاسب في السياسة إلّا بما يتناسب مع حجمه الميداني، وهو ما قام حجاب بالإعلان عنه من خلال ربط الوفد بالفصائل العسكرية المقاتلة على الأرض وكان محمد علوش سبقه اليه.

في مقاربة اولية لما حصل، من المفترض على السيد دي ميستورا والأمم المتحدة ان تُعلن موقفًا ممّا صرّح به رياض حجاب لمخالفته ابسط قواعد المفاوضات، من حيث الدعوة الى استمرار القتال والتخلي عن الهدنة بالرغم من التبريرات التي ساقها حجاب بمعزل عن دقتها حول مسائل عديدة كالهدنة والمساعدات وغيرها من الأمور.

ما حصل اليوم في جنيف لا يمكن فصله عن الموقفين السعودي والتركي من الصراع في سوريا، ولا يمكن عزله عن تسليم اميركا 3000 طن من الأسلحة للجماعات المسلّحة، وهو أمر اشار له رياض حجاب بأنّه ضرورة لتحقيق التوازن الميداني، في ظل غياب كامل لأي موقف اميركي متكرر في عدم الرغبة بإجراء تصنيف للجماعات المسلّحة يبقي الأمور غامضة ويساعد الأميركي في توجيه الإنتقاد للروس حول الأهداف التي يقصفونها وبالتوازي مع مواقف سعودية وتركية تصعيدية وخصوصًا في حلب وارياف اللاذقية.

في حلب تقتصر العمليات العسكرية حتى اللحظة على استهداف جوي ومدفعي للجماعات المسلّحة، وعمليات حشد للقوات مع القيام بعمليات محدودة لم تسفر حتى اللحظة عن استعادة المناطق التي خسرها الجيش السوري، والسبب ليس قدرة الجيش انما تداخل المواقف السياسية والإستخدام السلبي للمواقف من قبل الأميركيين بالدرجة الأولى والسعوديين والأتراك في الدرجة الثانية، مع الإشارة الى أنّ الجانب التركي لم تقتصر مواقفه على التصريحات بل وصلت كما في السابق الى تقديم الدعم الناري بالمدفعية للجماعات المسلّحة التي شاركت في هجمات ارياف اللاذقية، التي كان مرادًا منها تحقيق انتصارات عسكرية أدّت الى نتائج مغايرة مع استعادة الجيش للمواقع التي خسرها وسيطرته على مواقع جديدة لم يكن يسيطر عليها وخصوصًا في محور كباني.

إنّ العمليات التي نفذها الجيش السوري وينفذها في مناطق مختلفة من حلب واريافها وارياف اللاذقية هي حتى اللحظة عمليات دفاعية قد تتطور في اي لحظة الى عمليات هجومية شاملة، بانتظار تبلور المواقف حول التطورات السياسية المتسارعة والتصعيد الناتج عن التوتر والهستيريا التركية والتي يدفع ثمنها الشعب السوري، وخصوصًا اهالي حلب الذين يعيشون أيامًا صعبة بنتيجة الإستهداف الدائم لهم من احياء حلب الشرقية التي تسيطر عليها الجماعات المسلّحة، فهل ستؤدي هذه التصريحات والمسارات الميدانية المتلاحقة الى انطلاق شرارة المعارك الشاملة في ارياف حلب وارياف اللاذقية، وهي على ما يبدو رغبة تركية سعودية مشتركة يتم تغطيتها اميركيًا بالتغاضي والتضليل.

الموقف الحاسم من كل هذه التطورات ستجيب عنه الأيام القادمة في جنيف الذي لن يؤتي ثماره في الوصول الى حل سياسي قريبًا، إنما يشكّل مجرد محطة لم تكتمل شروط اتمامها، ومن هنا يبدو الميدان مرشحًا للعب دور اكبر في الأيام والشهور القادمة.