Beirut weather 10.3 ° C
تاريخ النشر October 30, 2016 05:12
A A A
تحرير تلعفر «أمّ المصائب» للأميركيين
الكاتب: ايليا ج مغناير - الراي

لماذا أيقظ تحرير تلّعفر تركيا وأميركا واستحضر «تحرير الرقة» إلى… الطاولة؟
مصادر لـ «الراي»: داعش لن يُهزم في العراق إذا لم يُهزم في سورية
تحرير تلعفر بيت القصيد للعراقيين و«أمّ المصائب» للأميركيين

«لن يتم تحرير مدينة الموصل العراقية من دون تحرير تلعفر ومنْع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من مغادرة الموصل للجوء الى سورية». هذا ما أعلنه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي أمر القوات التابعة لرئاسة الوزراء من «الحشد الشعبي» بالتوجه الى غرب الموصل والمحور الجنوبي الغربي للتقدم نحو الحضر ومنها الى تلعفر للسيطرة على المنطقة. ويعتبر العبادي أن وجود «داعش» في سورية يعني استمراريته وبقاءه، وتالياً فإن إعادة إحياء قوته من جديدة في العراق – بعد معركة الموصل – أمر محتمل جداً ولا سيما أن هذا التنظيم ترك خلايا نائمة وأسلحة مدفونة متّبعاً أسلوب صدام حسين العام 2003، وخصوصاً أن غالبية قيادة «داعش» هم من الضباط العراقيين البعثيين السابقين. إلا أن العبادي أيقظ المارد من القمقم بإعلانه أن «الحشد الشعبي يتجه نحو الحضر وتلعفر»… لماذا؟

تبعد تلعفر عن الموصل 63 كيلومتراً و55 كيلومتراً عن سورية و80 كيلومتراً عن تركيا. وقبل احتلال المدينة منتصف يونيو 2014، كان يقطنها بين 200 الى 300 ألف من السكان غالبيتهم من التركمان السنّة والشيعة. وتحدّها الموصل من الشرق ودهوك من الشمال وسنجار من الغرب وهي تتبع محافظة نينوى الشمالية.

يعيش في تلعفر اليوم نحو 30 ألف من المدنيين تحت حكم «داعش» وكذلك تضم المدينة التي تشكل مثلثاً حدودياً بين العراق وسورية وتركيا قيادات كبيرة من التنظيم.

ويعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن من حقه المشاركة في تحرير الموصل والمحافظة على تلعفر وعدم التعرض للمدينة وخصوصاً منع قدوم ما سماها «الميليشيات الشيعة» الى المدينة وإلا أرسل قواته النظامية الى داخل العراق.

في العام 1925، اتفق الملك العراقي فيصل مع حلفائه البريطانيين على اقتلاع الموصل ومحيطها من سيطرة الدولة العثمانية وضمها الى العراق. وهذا ما يطالب اليوم الرئيس التركي باستعادته و«إعادة ما لقيصر لقيصر». إلا أن رئيس الوزراء العراقي ذكّر أردوغان بأن حكم العباسيين الذي اتخذ من بغداد قاعدة، ضمّ تركيا كلها الى سيطرة الخلافة الإسلامية وأن التاريخ ليس بحجة يعتمد عليها لأن العراق يريد علاقات طيبة مع كل دول الجوار – وخصوصاً تركيا – من دون السماح لأي قوة احتلال بأخذ شبر من العراق. وطالب العبادي تركيا بسحب بضعة آلاف من الضباط والجنود الأتراك الموجودين في مخيم بعشيقة على مسافة 50 كيلومتراً من الموصل، وردّ على تهديد أردوغان بتهديد مماثل من دون أن يقطع الطريق على الحلول الديبلوماسية.

وشكل العبادي قوة «الحشد الشعبي» المتجهة الى تلعفر والتي تضم أكثر من تسعة عشر لواء. كما تضم الفرقة الذاهبة الى تلعفر ثلاثة آلاف من التركمان من السنّة والشيعة الذين يمثلون رأس الحربة لدخول مدينتهم وتحريرها من «داعش» بعد أكثر من 28 شهراً وإغلاق الجبهة الغربية لمنع «داعش» من الهروب من الموصل والدخول الى سورية. وهذا هو بيت القصيد.

تقول مصادر في مكتب العبادي لـ «الراي» إن «لا مكان للصدفة بتوقيت إجتماع وزيريْ دفاع فرنسا وأميركا مع نظيرهما التركي في أنقرة وتصريح الوزير الأميركي آشتون كارتر حول تفهمه المنطق التركي وحججه تجاه العراق وكذلك نيته بالتوجه نحو الرقة. وكذلك قال قائد القوة المشتركة في العراق اللواء ستيفن تاونسند إن أميركا مستعدة لمعركة الموصل وتدرّب القوات المحلية اللازمة لهذه المعركة».

إذاً – تضيف المصادر – «تَحمس الجميع لتلعفر وللرقة عندما تَقرر توجه الحشد الشعبي إليها وأبدوا الرغبة بمطاردة داعش – إذا لزم الأمر – حتى سورية للمساعدة بالقضاء عليه. وليس لدينا أي شك أن داعش لن يُهزم في العراق إذا لم يُهزم في سورية أيضاً. وكذلك لا شك لدينا في أن القوات التركية وتلك المدعومة منها في سورية تتقدم داخل أراض يحتلها داعش، من دون قتال يُذكر ومن دون سقوط قتلى من أي طرف. علماً أن داعش يستميت حتى يقاتل الأكراد (في منبج أكثر من 400 قتيل) والجيش السوري وحلفاؤه (في تدمر ودير الزور والطبقة ومناطق متعددة أخرى). وبالتالي بإعتقادنا أن مسلحي داعش إما يذهبوا الى الرقة بأمان أو إلى تركيا أو يبدّلوا ملابسهم ويبقوا مع القوات السورية المدعومة من تركيا وأميركا. ولكن إذا دخلت قوات الحشد الشعبي فإن داعش يعلم تماماً أن لا عودة له، ولا الملابس التي يبدلها تنقذه، ولن تبقى هناك بيئة حاضنة لإعادة إنطلاقه أو ايوائه، وهذا هو السبب في رأينا الذي يدفع كلاً من تركيا وأميركا للمحافظة على روحية داعش في المدن التي يخليها ويتخلى عنها لمصلحة حلفاء تركيا وأميركا. وهذا ما لن نسمح به في تلعفر أو الموصل أو أي مكان آخر يساعد داعش لإعادة إحياء نفسه من جديد».

ويعتقد المراقبون أن الضربة الجوية الأميركية، التي أكدت واشنطن إنها حصلت خطأ على تلال الثردة المحيطة بمطار دير الزور العسكري – الذي قتل فيه أكثر من 100 ضابط وجندي – هي ضمن الخطة العسكرية الأميركية لإخلاء منطقة دير الزور وإعطائها لـ «داعش» ليصار الى استعادتها ومنع دخول «الحشد الشعبي» أو القوات السورية وحلفائها لإستعادة دير الزور وفكّ الحصار عن المدينة. فإذا أصبحت المنطقة بأكملها تحت حكم «داعش»، فمن السهل دفع قوات تركية أو قوات مدعومة من أميركا والسيطرة على المنطقة الشمالية الشرقية السورية وانشاء كانتون ليقسّم سورية بعد فشل تقسيم العراق.

ويؤكد هؤلاء أن تقسيم سورية وارد جداً لعدم وجود نية ولا خطة من دمشق وحلفائها للذهاب الى مناطق سيطرة «داعش» ولأن الأخير يملك مناطق غير متداخلة مع الجيش السوري، ولأن هذا التنظيم لا يحصل على الدعم الإعلامي وفي المحافل الدولية والأمم المتحدة ولا يصله المال والسلاح كما تحصل عليه «قاعدة الجهاد» و«المجاهدين» في حلب وإدلب باعتراف الدول الغربية ودول المنطقة بأنفسهم.

إذاً، ارتبط العراق بقوة اليوم بسورية لتصبح معركة تلعفر «أم المصائب» التي تدفع بأميركا الى الحديث عن «منطقة طيران عازلة حول الرقة». فذهاب «الحشد الشعبي» الى تلعفر لا رجعة عنه مهما كلّف الأمر لأن العراق يريد تحرير أرضه. إلا أن دعم «الحشد الشعبي» بالرجال والعتاد لسورية لم يعد بالأمر السهل لتضامن المواقف والجهود الدولية ودول المنطقة ضد أي محاولة لتقصير عمر الحرب في سورية وإعطاء الغلبة لروسيا وحلفائها.

وها هي أميركا تنشئ مطاراً في كوباني شمال سورية ولها موقع قديم لقواتها والقوات الخاصة الأميركية في شمال شرقي سورية. وها هي تركيا تسيطر على أجزاء على طول الحدود التركية – السورية وتقدم نفسها «لتحرير الرقة» وتطالب بمدن محررة مثل منبج لتضمها إليها وتفاوض على حلب والرقة والباب وغيرها في المستقبل، أو تبقي على احتلالها لأراضٍ سورية الى أمد غير معلوم.

إلا أن دور موسكو لم ينتهِ بعد. فقد قامت الطائرات الروسية بضرب قوافل لـ «داعش» أثناء دخولها الى البوكمال من العراق وهي – اي موسكو – لن تقبل بمنطقة طيران عازلة فوق الرقة. إضافة إلى أن روسيا تعبّر عن عدم ثقتها بالأهداف التركية غير المعلنة من خلال تصريحات حلفائها على الأرض السورية الذين حذروا تركيا من التصادم مع الجيش السوري شمالاً إذا التقت خطوط التماس مع الطرفين. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن أمد المعركة ليس فقط طويلاً بل أن الحرب السورية أصبحت أكثر تعقيداً.

فالحرب لم تعد حرب نفوذ فقط، ولم تقتصر الطائفية على المتحاربين والميليشيات خصوصاً بعد تصريح وزير خارجية تركيا مولود تشاوش اوغلو ان «تركيا ستتخذ كل الإجراءات اللازمة ضد أي خطر يصدر عن الميليشيات الشيعية في تلعفر ضد داعش».

وأصبح الدفاع عن «داعش» علنياً و«الدفاع عن السنّة» غير حصري لـ «داعش» بل أيضاً لتركيا، وكل هذا تحت عنوان إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط… فما دام «داعش» ألغى حدود سايكس – بيكو فلماذا إعادتها الى ما كانت عليه؟