Beirut weather 10.77 ° C
تاريخ النشر November 30, 2022 09:39
A A A
إرساء القواعد الوطنية حول النظام اللبناني
الكاتب: د. محمد قبيسي - اللواء

يعتبر النظام اللبناني القائم المشكلة الكبرى التي تقيم على حياتنا عموماً، وهذه المشكلة لا يمكن أن نلمّ بها بسرعة ولكننا نتوخى في هذه اللمحة المقتضبة أن نسلّط الضوء على بعض جوانبها الاجتماعية والسياسية، لا سيما الدستورية منها، تاركين البحث في الجوانب الأخرى من اقتصادية وتربوية وثقافية وسواها إلى مجال أوسع. أن أجعل من هذه اللمحة السريعة جولة مقتضبة عبر بعض الجوانب التي تتناول أوضاعنا ونظامنا العام محاولين استجلاء أسباب القلق المساور نفوس المواطنين واكتشاف العقبات التي تعترض سبيل عجلة الحياة المستقرة والتضامن الوطني المعافى، وطرق التخلص من هذه العقبات، وكذلك ردم الهوة بين الشعب والسلطة. نحن مقتنعون بصوابه المواطنين الذين يتوقون إلى حياة فاضلة راقية في وطن طموح بأبنائه.

فلنتصفح مجموعة من الصحف اليومية الصادرة منذ قيام الحياة الدستورية في لبنان عام ١٩٢٦ حتى يومنا هذا، فان أغرب ما نقع عليه عناوين لأنباء هامة نجدها تتكرر حيناً بعد حين ونشعر من متابعتها إنها أهم ما يشغل جمهرة القرّاء. ومن هذه العناوين «التشكيلات الإدارية والحدث المنتظر» و«من أين لك هذا؟» و«المطالبة بتعديل قانون الانتخابات النيابية» و«استشراء الفساد» و«التطهير الإداري» و«اللامركزية الإدارية مطلب الجميع»، وعنوان آخر كبير «النظام الطائفي علّة لبنان الأولى» على آخر ما هنالك من عناوين هزلت وشاخت وهي ان دلّت على شيء فإنما تدل على عدم جدّيتنا وقدرتنا وشعورنا بالمسؤولية.
إذاً نحن امام عليها ولا يجب الدهر بها وهي أن بلادنا وصلت وكادت تصل إلى وضع خطير نتيجة الشعر أو أنا مع القول، نتيجة سلبية التعامل مع أهم ما يسوس حياتنا العامة، وأن المرحلة التي اجتازها اليوم في مرحلة الامتحان الصعب لقدرة لبنان على تحقيق شرط استقراره قولاً وفعلاً، فهل ترانا عاجزين عن قيادة السفينة؟ أم أن نظامنا القائم لم يعد يفي بمتطلباتنا؟ أم أن الأساليب المتبعة فاسدة من أساسها؟ أن العلّة لا تقتصر على نوع واحد من المرض بل أن ثمة عللا عدة قوامها ما هو موروث ومتأصل هلكت أعراضها جسم الوطن وأضعفت مناعته وقد يكون في تشخيص هذه العلل مفتاح السر في فوضى الأفكار والأقوال والأفعال التي يشعر بها ويتأفف منها كل فرد وفي كل ساعة. فلنحاول إذن تشخيصها وتحليلها وتصويبها ما أمكن.
في رأس هذه العلل بل علّة العلل: الطائفية التي عاثت فساداً وشراً وأورثت ثارات وأحقاداً تحوّلت بفعل الحوادث إنها مشكلة الوجود اللبناني كله. قول الطائفية ولا أقول الدين، إذ ان الدين مهما تعددت الطوائف ومهما اختلف نظرة هذه الطائفة وتلك الى الماهية الإلهية، ومهما كانت تفسيرات هذه الطائفة وتلك، فالدين -كل دين- يأمر لمعروف وينهي عن المنكر، ويوصي بالتآخي. ولكن المشكلة ما تصح تسميته «الطائفة التجارية»، الطائفة المتعصبة، المتزمتة، الحقودة. وهذه الطائفية التجارية هي التي تأخذ بخناق دولة وتشلّ مسيرتها. وهي الوصمة المعيبة في لبنان.
ولقد بدأت الطائفية تكون مشكلة مع بداية التدخل الأجنبي في لبنان ولا سيما بعد فتنة عام ١٨٦٠، وهي الفتنة المشهورة التي طبخت في مطابع الدول الأجنبية وقدمت طعاماً مسموماً للبنانيين وهذه حقيقة تاريخية لم ينكرها المؤرخون الأجانب أنفسهم. وقد عمد الانتداب إلى تغذية الطائفية التعصبية التي كانت تخمدها مشانق السفاح العثماني جمال باشا واستشهاد الأحرار المسلمين والمسيحيين عليها، ولقد استمرت الطائفية بدعة في تنويع المواطنين، كما استمرت في عدائها للكفايات في مجال الخدمة العامة، وكرّست الجهود التنموية في مناطق محظوظة على حساب مناطق أخرى، وأصبحت بفعل الاشتراعات والقوانين وحدات عضوية في كيان الدولة والمجتمع، والطائفية ما استبدلت يبلد إلا جعلته بين عاصفة تهب منه وعاصفة تهب عليه، وتتعهد هذه وتلك عاصفة عاتية آتية من الخارج، وهكذا فان علل لبنان كلها: نظاما ووجودا هي تفرعات من هذه العلة الأساسية.
إن المادة 6 و6 مكرر عدوة الكفايات في الخدمة الوظيفية كانت ولا يزال مضمونها ماثلاً في بعض أحكام الدستور المعدل. إنها لعمري قاتلة الكفايات والسبب الرئيسي في شلل الحكم. إن المواطنية في البلدان الديموقراطية لا تدمغ بدمغات مختلفة كي تلفت الأنظار إلى نوعية هذا المواطن أو ذاك. إنها البدعة اللبنانية في تنويع المواطنين من حيث الطائفة التي ينتمون إليها، وليس فيها شيء من الديموقراطية والتقدمية، انها بدعة تأخّرية ورجعية يسجلها لبنان النظام على نفسه في كل تذكرة هوية يحملها المواطنون اللبنانيون. وهذا يجعل الوجود اللبناني وجوداً طائفياً. هذه البقعة السوداء في تذكرة الهوية يجب أن تزول، فلقد باتت كابوساً وعبارة وثنية للاستغلال. فتعالوا نرفع الكابوس. إننا نطالب باعتماد الأسس العلمية الحديثة والمناقبية في النظام العام ونبذ الاعتبارات الطائفية.

ومن علل لبنان المتأتية من ممارسة النظام الطائفي: «المحسوبية» التي ترتدي أشكالا تختلف باختلاف الأشخاص والأسباب. وأني أترك لكم أن تتصوروا علاقات الحاكمين بالمحكومين، وكيف أن تبادل المصالح يتم على حساب القانون والمصلحة العامة وهيبة الدولة.
ومما لا شك فيه أن الانتخابات ساهمت وتساهم في قسط كبير في تنشيط الحزبية والمحسوبية، كما أنها تساهم في إفساد أخلاق الشعب وأجهزة الحكم. وعندما بالإغراء أو الوعيد، توجه المصائر وتستعبد الضمائر فقل إن عملية الانتخابات التي تجري بهذه الأساليب مشكوك في صحتها. من هنا دعوتنا لوضع قانون انتخاب نموذجي يضمن التمثيل الشعبي الأكمل ودعوتنا الى تحرير العمليات الانتخابية من أي عبث أو تلاعب مادي. ومن هنا علينا أيضاً أن نعيد النظر في نظامنا المتبع ونسعى إلى وضع نظام جديد يقتلع النظام المتخلف من جذوره. فدستورنا الحالي لم يعد صالحاً لكثرة ما لحقه من تعديلات فأصبحت بعد نصوصه متناقضة، وبعده الآخر يتنافى والمبادئ الدستورية. فمنذ وضع الدستور عام 1926 أدخلت عليه تعديلات عديدة في أعوام 1927 و1929 و1943 و1947 وأخيراً في 21/9/1990 ويقولون اليوم أن آخر تعديل بحاجة إلى تعديل.
نحن في الواقع نعيش النظام القبلي بأوسع معانيه. نحن ثماني عشرة طائفة موزعة على ثماني عشرة دويلة طائفية منها الكبيرة ومنها الصغيرة، وعلى الحكم أن يوازن بينها وإن على حساب الدستور والقانون والنظام. ووفقاً لهذا النظام تصاغ القوانين وفقاً لمقاييس الأشخاص ولا تصاغ لمصلحة الشعب والدولة. وهذا ما يدفع الشعب إلى عبادة الأشخاص ثم يلام الشعب على عبادة كهذه!
هذا هو النظام القائم حتى بدا ترداد المآخذ عليه مملاً والكلام عنه في نظر العامة من دون جدوى ومع ذلك علينا أن نطلق الصرخة أثر الصرخة تعبيراً عن الوجع والغصّة ولنؤكد بالتالي على خصوصيتنا وقدرتنا بكفاياتنا، فلربما أدركنا المحجة في النهاية، وأننا لبالغوها وبصورة أخص بعد أن ثبت بالممارسة ان نظامنا المتبع منذ عهد الاستقلال لا يتناسب مع أوضاعنا وكرامة حياتنا وتطلعاتنا، وأكبر دليل المآخذ الكثيرة التي نراها تتكرر، وفي مقدم ما نطالب به هو انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب منطلقا لقيام حياة سياسية جديدة، وبذلك يتحمل رئيس البلاد المسؤولية مباشرة أمام الشعب، ولا تعود تسمع تعابير مؤلمة «الناخبون الكبار والناخبون الصغار»، «هبوط الوحي»، «صدور كلمة السر» الخ… إن رجال السياسة في صورة خاصة يدركون صحة ما ذكرت بعد أن خبروه على مرّ السنين. كما أن جميع المواطنين مقتنعون بان النظام الحالي لم يعد في مستوى التحديات وبات يحتاج الى عصرنة وذلك بإلغاء المذهب عن تذكرة الهوية وترسيخ حكم القانون على الجميع، ووضع قانون انتخابي نموذجي جديد على أساس برامج تتقدم إلى الناخبين منظمات سياسية وطنية لا طائفية وذلك في الممارسة الفعلية لا النظرية من خلال مسلكيتها ومن خلال متحداتها الاجتماعية. وكذلك إلغاء الاحتكار السياسي، واعتماد الـكـفـايـة والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين والإنماء الشامل، ووضع خطة دفاعية وأمنية مدروسة تستند في شكل خاص الى الأخطار المحدقة وصون الحرية علّة وجود لبنان ورئته التي بها يتنفس، ويوم تحرره منها أو تفصله عنها تكون قد الفيته. ولبنان الحرية إما أن يكون أو لا يكون.
وقولنا بالحرية لا يعني الفوضى ولا التساهل ولا الميوعة. الحرية للخير لا للشر، للبناء لا للهدم، للعمل الإيجابي على أساس الولاء للوطن.
ومن هنا علينا وضع نظام جديد متطور يتلاءم ومتطلبات العصر مبني على أسس علمية متينة كفيلة بنقلنا من وضع متردٍّ إلى وضع حصين مستقر ويجعلنا بالفعل والواقع لا بالقول والادّعاء جزءاً من هذا العالم نتكلم بلفته ونتسلح بسلاحه ونعد العدة للانتاج الحضاري المولد والعطاء الفكري السنّي. وعلينا أيضاً إيلاء الجانب الثقافي حقه كي تحافظ على كيان الوطن ودوره الحضاري. وإن في تجاهلنا لما تقدم ما يتيح الفرصة للثقافة ذات السيطرة الإعلامية وللثقافة المسلحة بالتفوق التكنولوجي والعسكري والسياسي لتملأ أي فراغ يمكن أن يقود إلى ضياع الهوية. ويجب أن لا يغيب عن الاذهان ما يمكن أن تقوم به آليات الصهيونية من محاولات لاختراق هذه المنطقة بشتى الوسائل تحت شعارات «النظام العالمي الجديد» و«التطبيع الثقافي» و«نشر ثقافة السلام» و«الشرق الأوسطية». كل هذه العواصف تهبّ علينا في شكل متلاحق مما يفرض علينا أن نوحد صفوفنا بقوة ونعبئ إمكاناتنا البشرية والمادية في وجه هذه التحديات في إطار عملية تطوير أنظمتنا التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبتصميم على مستوى الوعي الفكري وفي إطار التطورات التي حصلت في ظل التقدم العلمي.

ولعل أحد أهداف الحرب الشريرة التي تقوم بها إسرائيل الصهيونية يكمن في تقويض حيويتنا الثقافية ومناخاتها المبدعة المتفتحة والمتدفقة في فسيح الثقافة الحديثة والمعاصرة. وفي هذا الصدد تغدو الثقافة بعداً مجتمعياً يتعلق به، وقبل سواه، مصيرنا المجتمعي برمته. وفي هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا وتاريخ العرب في وجه عام، والتي تتسم بعدم وضوح الرؤية لا بد من التيقظ التام لما يحاك لنا ويتربص بنا، والتصدي لهذا الأمر الخطير من إطار الحديث عنه كمادة كلامية تتناولها وسائل الدعاية والإعلام إلى مشكلة تستدعي معالجتها بالحلول العلمية والعملية. والتأكيد هنا بأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين وليس لأي وطن على التاريخ حقوق، والحق لا يكون مقتصراً إذا لم ينصره أهله، فيكتبون هم التاريخ ولا يكون لهم مكتوباً.