Beirut weather 28.41 ° C
تاريخ النشر September 20, 2022 09:41
A A A
دولرة البنزين قيد التنفيذ… منصة إلكترونية للمحروقات قريباً، فهل تُقفل المحطات أبوابها؟
الكاتب: ايسامار لطيف - النهار

يبدو أن “كابوس” دولرة البنزين أصبح واقعاً لا مفر منه، لا بل أنّه بات قيد التنفيذ وسيُعلن عنه قريباً، في خطوة تُنذر بالخطر المحدق الذي ينتظر اللبنانيين، لا سيّما على أعتاب العام الدراسي، بعدما رفع مصرف لبنان راية الإفلاس بقراره الأخير بإيقاف الدعم الكامل عن المحروقات. فما كنا نخشاه حصل، وبات خيار الدولرة الحل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من القطاع الذي فقد ركائزه الأساسية، فأصبح “يعرج” على خيار واحد لعلّه يكون المخرج لأزمة لا نهاية وشيكة لها إلّا حدوث معجزة… وهذا لن يحصل!

البنزين يُحرّك السوق السوداء: أكثر من 4 ملايين دولار يومياً

ينظر أصحاب محطات المحروقات والشركات المستوردة للنفط إلى مبدأ الدولرة على أنّه طوق النجاة الخاصّ بهم من مستنقع الخسارة المالية خصوصاً بعد تحديد كل المدفوعات بالدولار “الفريش” في الأسواق الاستهلاكية وحتّى في القطاع الخدماتيّ أيضاً. وبحسب نقيب أصحاب المحطات جورج البراكس فإن “رفع الدعم عن المحروقات بدأ منذ عدّة أشهر وليس وليد اللحظة إلّا أنّه جاء بصورة تدريجية لأن مصرف لبنان لم يعد يمتلك الدولارات الكافية للاستمرار في الدعم”.

وأوضح لـ”النهار” أن “سعر صرف الدولار في السوق الموازية يُحدّد القيمة الفعلية التي يجب على كلّ صاحب محطة دفعها يومياً وفقاً لحاجته، في حين أن المحطات عموماً في لبنان تقوم بتصريف نحو 4 ملايين دولار ونصف المليون مقابل شراء مادة البنزين وحدها، وعند حصول هذا الأمر وتدفق التجار لشراء أو بيع الدولار، نشهد قفزة فورية في سعر الصرف، وهذا تحديداً ما يُكبّدنا خسائر جمّة”.

في هذا الإطار، يُعطي البراكس مثالاً على ذلك ما حصل الأسبوع الماضي، حيث تمّ تحديد أسعار “جدول المحروقات على سعر صرف 35700 ليرة للدولار، فيما كان الدولار يرتفع في السوق السوداء ليبلغ الـ37 ألفاً و200 ليرة، أيّ أنّنا كمحطات خسرنا أكثر من 1000 ليرة في كل دولار، ولكُم تخيّل حجم الخسارة”، محذّراً من أنّه “لا يوجد خيار اليوم سوى اعتماد نظام الدولرة وإلّا سنصل إلى مرحلة خطيرة حيث لن يكون بمقدور أصحاب المحطات أو الشركات تأمين الدولار لشراء البنزين وهنا الكارثة الحقيقية التي تتجاهلها الجهات الرسميّة”.

منصة إلكترونيّة مرتقبة للمحروقات

بين ارتفاع وانخفاض الدولار خيط رفيع يفصل المحطات عن إعلان الإقفال، إلّا أن هذا ما لن يحصل على عكس الشائعات التي تُطلق مؤخراً بهدف “التهويل”، وفقاً لمصادر “النهار” في وزارة الطاقة.

وتؤكّد المصادر أن “الطوابير لن تعود لأن ثمة اتصالات تتمّ بصورة يومية مع الشركات المستوردة وأصحاب المحطات بهذا الخصوص، واتفقنا على ضرورة عدم الإقفال طالما أنّنا نعمل على معالجة الأمور”، كاشفةً أنّه “يتمّ العمل على إنشاء منصة إلكترونية لعرض جدول الأسعار اليومي، حيث يمكن للمواطنين والشركات المستوردة ومحطات المحروقات الاطّلاع عليها، وبناءً عليها سيتم ملاحقة المخالفين في خطوة من شأنها ضبط تفلّت السوق والحدّ من خسارة التجار والمواطنين في حال تقلّب الدولار”.

ورداً على سؤال ما إذا كانت الوزارة اتخذت قرار الدولرة الرسمي، تلفت المصادر إلى أن “هذا القرار يحتاج إلى موافقة جهات رسمية وقراراً موقّعاً من الوزير وليد فيّاض ليُصبح نافذاً، واتجاهنا اليوم نحو اعتماد دولار السوق السوداء في تحديد الأسعار لا سيّما بعد رفع الدعم بشكل كامل عن مادتي البنزين والمازوت، ممّا يعني أن خيار الدولرة طُرح فعلاً ويتمّ العمل به ولكن على الطريقة اللبنانية رأفة بالمواطن من جهة وللحدّ من خسارة الشركات والمحطات من جهة أخرى”.

في سياق متصل، تُشدّد المصادر على أنّها “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تفلّت السوق ولكن ستعمل ضمن المعقول على ضبطه لحين التوصل إلى صيغة نهائية لهذا الجدل”.

بالأرقام: رفع الدعم عن البنزين بداية الدولرة!

من طوابير الذلّ مروراً بالسرقة والاحتيال على “عينك يا تاجر”، وصولاً إلى الدولرة يُستنزف اللبناني رسمياً اليوم إنّما بطريقة ذكيّة وبـ”طيب خاطر”، وإذا كنتم تتساءلون كيف، فالإجابة بسيطة ويُمكن قراءتها بين سطور القرارات الحكومية والمصرفية.

منذ سنتين يُحاول حاكم المركزي رياض سلامة طمأنة اللبنانيين بأن “الليرة بخير” ولا خوف على القطاعات وكأننا نعيش في بلاد الأحلام، وما من عاصفة اقتصادية تجتاح البلد ومؤسّساته وقطاعاته كافة من دون استثناء تحت شعار “الإفلاس” الذي لم يكن وليدة ثورة 17 تشرين ولا انفجار مرفأ بيروت كما سوّق له سياسياً وإعلامياً، بل بسبب عوامل فاقمت الوضع سوءاً بالتأكيد، فاستغلّتها الجهات والوزارات المعنية لتُعلّق فشل وفساد السنوات الماضية عليها وكأنّها شمّاعة فولاذية بإمكانها تحمل أعباء الأزمة الراهنة.

مصرفياً، سارع المركزي منذ سنة تقريباً إلى رفع الدعم النسبيّ عن المحروقات لينتهي المطاف بإيقافه كلياً عن مادة المازوت في البداية، التي باتت حكراً على ذوي الـ”فريش دولار” أو ميسوري الحال، أمّا باقي المواطنين والقطاعات التي تئن فحدّث ولا حرج، وأكبر مثال على ذلك صرخة أهالي الجبال والمزارعين العام الماضي. وكما المازوت، سارع مصرف لبنان إلى رفع الدعم التدريجيّ عن مادة البنزين، من خلال تأمينه جزءاً من فاتورة الاستيراد بالدولار على سعر منصة صيرفة بعد تأمين الشركات المستوردة المبلغ نقداً بالليرة، فيما يطلب من الشركات أيضاً تأمين باقي فاتورة الاستيراد بالدولار من السوق الموازية. فبعدما كانت النسبة 85% من فاتورة الاستيراد على سعر صيرفة و15% على السوق السوداء، عمد البنك وبشكل ممنهج إلى خفض نسبة الدعم عبر صيرفة إلى 70%، و30% من السوق السوداء في البداية. ومن ثم خفَّضها إلى 60% صيرفة و40% على سعر السوق الموازية، وبعدها إلى 55% صيرفة و45% سوق سوداء، وصولاً إلى 40% صيرفة و60% على السوق الحرة.

ولأن مادة البنزين تُعتبر حاجة حيوية لا غنى عنها، رضخ اللبنانيون للأمر الواقع مرّة تلو الأخرى، بعد “إبرة مورفين” مخدّرة أُعطيت لهم إن كانت على شكل قرار أو تعميم أو تصريح وزاري تبيّن اليوم أنّه ليس إلّا محاولة لتخدير الشعب وتجهيزه لقرار الدولرة.

وفي كلّ مرة كان اللبناني يتأفّف أو يشتكي ظلم الحكّام ويُفكّر بالتصعيد أو إقفال الطرق، نتفاجأ بقرار يصدر بـ”سحر ساحر” يلجم السوق ويُخفض الدولار لفترة موقتة، وهو أمر انساب على مسألة البنزين، ليتم رفع الدعم عنه بطريقة ذكية، ما جعل الناس تعتاد على رفع الدعم وصولاً الآن إلى الدولرة.

عملياً، يدفع المستهلك اليوم قيمة البنزين بالدولار الفريش وذلك لأنه يتمّ وضع جدول المحروقات استناداً لدولار السوق السوداء.

وبعيداً من التهويلات الشعبوية، فإن سعر صفيحة البنزين اليوم بات حرّاً ويستند إلى سعر النفط العالمي، أيّ في حال ارتفاع سعر برميل النفط عالمياً فمن الطبيعي أن نشهد ارتفاعاً بسعر البنزين في لبنان، ناهيك عن العوامل المؤثرة في تقلبات الأسعار مثل الإتفاقيات الدولية الكبرى، والحروب والنزاعات، وخير مثال على ذلك الحرب الأوكرانيّة، ممّا يعني أن القفزة التي شهدناها في جدول المحروقات ليست ثابتة إذ من الممكن أن ترتفع الأسعار أكثر في أيّ لحظة وعندها الكارثة الحقيقية. فهل يحتمل المواطن اللبنانيّ بمعدل رواتب لا تتجاوز بغالبيتها الـ10 ملايين ليرة شهرياً، إضافة إلى بدل نقل رُفع إلى الـ95 ألفاً مؤخراً تكبّد هذه المدفوعات؟ وفي حال تمّ تحسين رواتب الموظفين، فما مصير القطاع العام؟