Beirut weather 10.21 ° C
تاريخ النشر July 23, 2022 08:45
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: بعد تطيير الحكومة مخاوف على الرئاسة.. الخبراء الاقتصاديون يحذرون من «الأسوأ»
الكاتب: الجمهورية

في موازاة طَيّ ملف تأليف الحكومة، وانصراف الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي الى تصريف الوقت الضائع، بنشاطات عادية في القصر الجمهوري والسرايا الحكومية حدودها، لم يبق امام اللبنانيين سوى ان يكيّفوا أنفسهم مع التعطيل القائم، وتقطيع هذه المرحلة بالحد الأعلى من الصبر على معاناتهم، والأمل في ألّا تكون الفترة الفاصلة عن الاستحقاقات المقبلة حُبلى بالمفاجآت، حتى يتمكنوا من تجاوزها بالقدر القليل من الاضرار عليهم.

 

واذا كانت الصورة القائمة تعكس وضعا شاذا، سواء على المستوى الحكومي وتقييد تأليف الحكومة بمعايير وشروط، وإخضاعه لأمزجة سياسية تكيد لبعضها البعض، او على مستوى تحلّل الدولة الذي تَتمظهَر عوارضه في الترهّل الضارب مختلف قطاعاتها، وفي شلّ اداراتها وعجزها عن تلبية الحد الادنى من الخدمات للمواطنين، فإنّ ما هو قائم اليوم، في ظل عدم وجود كابح له، او مسؤول يدير الدّفة خارج مسار الانهيار المتسارع، يشكّل الإرث الصعب الذي سترثه مرحلة ما بعد عهد الرئيس ميشال عون. سواء حكمت الظروف السياسية الخلافية بالفراغ في سدة الرئاسة الأولى وإبقاء البلد خاضعاً لتصريف اعمال مقيّد بعجز على احتواء الازمة وتفاعلاتها، ومُشرعاً بالتالي امام شتى الاحتمالات السلبية. او تسلّم الأمانة رئيس جديد للجمهورية ذلك انّ انطلاقة ولايته ستتركز على قاعدة رخوة تُفرمل العهد الجديد وتربكه قبل انطلاقه.

 

الى الأسوأ!

وتبعاً لهذه الصورة، تتوالى القراءات المتشائمة للمشهد اللبناني، وآخرها ما ورد في تقرير أعدّه خبراء اقتصاديون، وتلقّاه أحد كبار المسؤولين، حصلت «الجمهوريّة» على خلاصة له، وفيها:

– اولاً، أزمة لبنان: تدرّجت في مخاطرها وآثارها الاجتماعية، من كونها اكثر ازماته التي شهدها في تاريخه خطورة، لأن تصبح أزمة كيانية تهدد بقاءه.

– ثانياً، إن ما يزيد عن 90 % من الشعب اللبناني، بحسب الاحصاءات الحديثة لمؤسسات دولية وأممية، باتوا فعلياً تحت خط الفقر.

– ثالثاً، انّ مالية لبنان، وخصوصاً ما يتصل بالاحتياط في مصرف لبنان، وصل فعلاً الى حد الافلاس. ولن يكون في استطاعة مصرف لبنان في هذه الحالة أن يُلبّي الحاجة لتوفير وتأمين حتى أبسط الاساسيات.

– رابعاً، إن المؤشرات تُظهر واقعاً مظلماً للبنان، حيث تؤكد هذه المؤشرات، بناء على تطورات الداخل ومعطيات الخارج، أن لبنان ذاهب الى الأسوأ، والاشهر القليلة المقبلة حاسمة في تحديد مسار الامور.

– خامساً، انّ أزمة لبنان المالية والاقتصادية والاجتماعية، تفرّعت عنها ازمة هي الأخطر على وجوده، وتتمثّل في الهجرة المتفاقمة، وفي مقدمها هجرة الشباب والكفاءات واصحاب الاختصاصات العالية في شتى المجالات، حيث ان لبنان في هذا الوضع مرشّح لأن يكون مواجهة إفلاس فاضِح في شبابه وكفاءاته وطاقاته، مع ما لذلك من آثار اجتماعية كارثية.

– سادساً، انّ النظام الحاكم القائم بات أعجَز من قدرته على تقديم حلول، مع عقلية استئثارية في السلطة، تجاوزت الدستور ومؤسساته.

ويخلص التقرير الى اعتبار «انّ كسر القالب والخروج من أسر هذا النظام وعقليته، أصبح ضرورة وجودية واقعية لمستقبل لبنان. اذ يستحيل بناء دولة في ضوء الواقع القائم وانهياراته التي بدأت تُسقط ما تبقّى من مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى».

 

علاجات جراحية

واذا كان من المُسلّم به انّ تفاقم الأزمة، هو نتيجة موضوعية لادارة فاشلة حكمتها منذ البداية، ولعدم التقاط اسبابها وبلورة علاجاتها قبل استفحالها، فإنها على ما يقول خبير اقتصادي لـ«الجمهورية»، كشفت عجز وفشل الادارة السياسية التي تناوبت على ادارة هذه الازمة، ومسؤوليتها وشراكتها او بالأحرى تَشاركها في التسبّب بهذا الانهيار. وهو الامر الذي يجعل من المستحيل لاحقاً إمكان الرهان على علاجات للازمة مع اطراف وجهات كانت شريكة في هدم اسس الهيكل الاقتصادي والمالي للبنان، ناهيك عن أنّ هذه الازمة باتت في تشعّباتها وتفاعلاتها أعمق من أن تعالج على الطريقة التقليدية التي كانت متّبَعة بالمسكنات، بل بما تفرضه المؤسسات المالية الدولية، من علاجات جراحية موجِعة في مختلف مفاصل مريض فاقِد لكل شيء ويعاني في كل شيء. وأما نتيجة هذه العلاجات فبالتأكيد لن تكون بشفاء عاجل، بل سيتطلّب العلاج وقتاً طويلاً، بل طويل جداً، والوجع، حتى مع العمليات الجراحية سيستمر لسنوات طويلة.

 

يَتأيّد هذا الكلام بقراءة لأحد كبار المسؤولين حيث قال لـ«الجمهورية»: منذ بداية الازمة، وحتى منذ ما قبل تشرين الاول 2019، كانت امام لبنان فرص كثيرة وَفّرها له المجتمع الدولي، ليتجاوز أزمته وآثارها السلبية على اللبنانيين، وحدّد المسارات في مؤتمرات باريس وصولاً الى «سيدر» ومجموعات الدعم للبنان، شاء بعض اصنام السياسة والمُتحجّرين في مواقفهم ان يضيّعوها في مكابراتهم وحساباتهم الشخصية والحزبية، وتوجهاتهم ومصادماتهم لكل الناس، ان يهدموا الهيكل، وفوّتوا الفرص المتتالية، وحَصدَ جميع اللبنانيين نتيجة ذلك».

واضاف: فلنعترف، لقد خَذلْنا العالم كلّه، الشقيق والصديق وكل من مدّ يده لمساعدتنا، حتى وصلنا الى تخلي العالم كلّه عن لبنان، ولبنان اصبح وحده لا نصير له، لأن حكّامه لم ينصروه، وهذه حقيقة تبلّغناها صراحة من كل الزوار الاجانب الذين نلتقي بهم. ويقولون لنا نحن معكم إن كنتم مع انفسكم، ونحن لم نثبت للعالم اننا مع انفسنا، فهل نستغرب في هذه الحالة إن تخلّوا عنا؟

 

خارج دائرة الاهتمامات

وسط هذه الاجواء، ورداً على سؤال لـ«الجمهورية»، قال مصدر ديبلوماسي عربي: كان المنتظر من الاخوة في لبنان ان يدخلوا من مجموعة الابواب التي فتحت امامهم خلال السنتين الماضيتين لبلورة علاجات وإصلاحات لوضعه الداخلي، ولكن مع الأسف لم يحصل ذلك.

 

والمُستغرب، كما يضيف المصدر الديبلوماسي، انّ الاخوة في لبنان يطلبون مساعدة الاصدقاء والاشقاء، ولكن من دون ان يُقرنوا ذلك بجدية وخطوات داخلية تستعجل وصول هذه المساعدة، والمسؤولية هنا لا تقع على اصدقاء لبنان واشقائه، بل على لبنان، الغارق في صراع مع نفسه، وكل العالم يلاحظ التخبّط والتصادم بين السياسيين.

 

وكشف المصدر انه تِبعاً للأجواء العامة، وكذلك للاجواء السائدة في لبنان، وخصوصا ما يتعلق بما وصفه «التعطيل غير المفهوم لتشكيل حكومة، والارباك الذي نشهده على مسافة اشهر قليلة من استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان»، فإنّ ما يقرأ في المناخ العربي والدولي هو أن الجميع يريدون الخير للبنان وخروجه من ازمته، لكنه لا يقع حالياً في دائرة المتابعات والاهتمامات الخارجية الصديقة والشقيقة، وبمعنى أدق لم يعد في خانة الأولويات، ذلك انّ التطورات الاقليمية والدولية أرخَت بظلالها على كلّ العالم، وتُنذر بمخاوف وتداعيات على اكثر من ساحة دولية واقليمية قد تبرز في الاشهر المقبلة، حتى لا نقول في الاسابيع المقبلة. ومن هنا تتجدد دعوتنا الى الاخوة في لبنان ليُسارعوا في اعادة ترتيب ما تسمّونه في لبنان «بيتكم الداخلي».

 

هل تبقى الجمهورية؟

وفي موازاة تراجع الحديث عن الملف الحكومي، يطغى الاستحقاق الرئاسي على المداولات والنقاشات الجارية في الصالونات السياسية والروحية على اختلافها. بالتوازي مع حركة ناشطة، انما بعيدة عن الاضواء لمرشحين مفترضين لرئاسة الجمهورية.

 

واذا كان النقاش الجاري ما زال يتخذ طابعا عاما، من دون الخوض في اسماء محددة وتفاصيل المواصفات التي يفترض توفّرها للمرشحين للرئاسة الأولى في هذه المرحلة، خصوصا ان ظروف هذه المرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، وتتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية يصعب تحديد اتجاهاتها، على الرغم من اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي، الذي اصبح على بعد 38 يوماً.

 

وسألت «الجمهورية» مرجعاً مسؤولاً حول الاستحقاق الرئاسي، فقال: ما أستطيع قوله انّ المعطيات المرتبطة بالملف الحكومي، تؤكد حتى الآن، أنّ ورقة تأليف الحكومة قد طويت، وأتمنى مع طَي ورقة التأليف الّا نصل الى وقت قريب يعلن خلاله طَي ورقة رئاسة الجمهورية وتعطيل انتخاباتها.

 

وعمّا يدفعه الى هذا التشاؤم، قال المرجع: يجب ان نعترف انّ انتخاب رئيس الجمهورية هو استحقاق يشترك فيه الداخل والخارج، وحتى الآن، لا يوجد اسم يمكن الاتفاق عليه، بل ما نراه هو مجموعة مرشحين يتحركون بالسر ويعرّضون انفسهم، اضافة الى انّ كل المعنيين بهذا الاستحقاق يعتبرونه مصيرياً بالنسبة اليها، ولذلك ترى كلّاً منهم يفصّل رئيساً على مقاسه، ويحدد له المواصفات الواجب ان تنطبق عليه. ومن هنا الاستحقاق امام محطة تجاذب لا مثيل لها تبدأ مع بدء المهلة القانونية لانتخاب الرئيس بدءاً من اول ايلول المقبل.

 

وخلص المرجع الى القول: ما أتمناه هو ان يُصار الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في مستهل مهلة الستين يوما، اي في ايلول المقبل، فذلك يشكل عامل راحة نفسية للبلد، قد تُبنى عليها ايجابيات لاحقة. الكل يقولون انهم يريدون انتخاب رئيس للجمهورية، ولكن قبل ذلك يجب ان تبقى هناك جمهورية، أقول ذلك لأنّ وضع البلد حالياً مفتوح على كل شيء.

 

التواصل على انقطاعه

الى ذلك، لم يطرأ جديد على خط رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي، وما زال تأليف الحكومة مُعلّقاً على التعقيدات التي برزت على تشكيلة الرئيس المكلف منذ آخر لقاء بين الرئيسين قبل نحو اسبوعين.

 

وفيما تردّدت بعض المعلومات عن انّ تواصلاً هاتفياً جرى بين الرئيسين، فإنّ الاجواء المحيطة بالرئيسين لم تؤكد ذلك او تنفيه، الا انها تلتقي عند التأكيد على ان الامور ما زالت عالقة عند النقطة التي توقفت عندها في اللقاء الاخير بين عون وميقاتي.

 

وقد تزامنت هذه الاجواء مع حديث عن محاولات تجري لعقد لقاء بين عون وميقاتي، الا انّ اللافت هو انّ اجواء الرئيسين لم تؤكد ذلك، مشددة في الوقت نفسه على ان لا شيء يمنع حصول لقاء بين الرئيسين في اي وقت، ولا يحتاج ذلك الى أي وسطاء.

 

قضية المطران

من جهة ثانية، بَدا امس انّ قضية توقيف المطران موسى الحاج قد سلكت طريقها نحو معالجة ذيولها وملابساتها، وبرز في هذا السياق استقبال رئيس الجمهورية للمطران الحاج، وأفيد بأنّ عون أخذ على عاتقه معالجة هذا الملف وإنهائه بالكامل.

 

ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه الديمان حركة مكثّفة لزوار متضامنين مع المطران الحاج، وكذلك برزت زيارة السفير السعودي وليد البخاري الى الديمان، وكذلك وزير العدل هنري خوري الذي أوضح انه سعى الى جَمع المعطيات المتوفرة حول الملف، وارسل كتاباً الى مدعي عام التمييز للاطلاع على كافة المعلومات المتعلقة بهذا الملف الا انه لم يتلقّ جواباً حتى الآن. ولفت الى انّ صلاحية وزير العدل محدودة ومحصورة جدا، مُشدداً على انّ القضاء يحكم نفسه، وليس هو شخصيا من يُصدر الاحكام.

 

القطاع العام

من جهة ثانية، وفيما اعلن وزير المال في حكومة تصريف الاعمال يوسف الخليل عن انّ الساعات الـ72 المقبلة حاسمة على صعيد الوصول الى حل لإضراب موظفي القطاع العام، برز امس انضمام موظفي الوكالة الوطنية للاعلام وموظفي وزارة التربية الى الاضراب، بالتوازي مع تفاقم الازمات المعيشية وفي مقدمها ازمة القمح والطحين اللذين يَشهدان شحا كبيرا، وقد أعلن وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الاعمال امين سلام انّ كمية قمح ستصل في غضون عشرة ايام تكفي لفترة شهر ونصف.