Beirut weather 16.41 ° C
تاريخ النشر June 23, 2022 08:53
A A A
التشتت لا “الانقلاب” طيَّر سلام وميقاتي عائد إلى السرايا
الكاتب: سابين عويس - النهار

تنطلق الاستشارات النيابية الملزمة اليوم في قصر بعبدا لتسمية رئيس للحكومة العتيدة وسط استمرار مناخ التشرذم والضياع السائد منذ صدور نتائج الانتخابات النيابية قبل شهر.
ومرة جديدة، ستخضع الكتل النيابية المنبثقة من انتخابات أيار 2022، المنضوية تحت تصنيف سيادي ومستقل ومعارض وتغييري لامتحان لا يقل اهمية عن اختبارَي انتخاب هيئة مكتب المجلس واللجان. فالاستشارات النيابية الملزمة المقررة اليوم في بعبدا ستفضي الى ما يشبه تأكيد المؤكد لجهة كشف ما سترسو عليه التحالفات ضمن هذه المجموعات، والتي ستخلص الى حقيقة ان ليس من اكثرية ثابتة وصلبة داخل المجلس، بل تحالفات “على القطعة”، منطلقة من حسابات كل فريق.

ما بين المرشحين المتنافسين على الرئاسة الثالثة، لم يبرز الى الواجهة إلا رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي والسفير نواف سلام الذي بات اسمه يتردد عند كل استحقاق حكومي كمرشح من خارج النادي التقليدي من دون ان يكون للرجل أي رد فعل او موقف يعكس فيه قناعاته وافكاره وبرنامجه السياسي، معتمداً في ذلك على رصيده كقاضٍ في محكمة العدل الدولية، وكمندوب لبنان الدائم سابقا لدى الامم المتحدة.

في اليومين الماضيين، بدا سلام منافساً قوياً لميقاتي، المرتاح أساساً الى اعادة تسميته، انطلاقاً من دعم سنّي يؤمّن له ميثاقية التمثيل السني وشرعيته على رأس ارفع منصب للطائفة، بفعل دعم الزعيم السني سعد الحريري له، فضلاً عن دعم الثنائي الشيعي وحلفائه باستثناء “التيار الوطني الحر”.

وفي حين كان الوسط السياسي يترقب موقف “القوات اللبنانية”، من اجل اجراء “البوانتاج” الاخير لما سيحصده سلام من أصوات، في ظل امتناع “القوات” عن تسمية ميقاتي، واعتراض التيار العوني عليه، شكّل المؤتمر الصحافي لرئيس “القوات” سمير جعجع مفاجأة، ليس لجهة عدم تسميته سلام، وإنما بسبب الأسباب الموجبة التي قدمها لعدم لجوئه الى تسمية من كان من اكثر المحبذين والداعمين له قبل تكليف ميقاتي اخيراً.

فهل كان موقف جعجع الضربة القاضية لحظوظ وصول سلام الى السرايا، وهل يصح اعتبار موقفه انقلاباً على الاخير، سيما وان ترقب موقف جعجع، اعتُبر البوصلة لما هو عليه الموقف السعودي، وان امتناع جعجع عن تسمية سلام يعكس موقف المملكة منه؟

في جوجلة للمواقف وحركة المشاورات التي رافقت مسار الأيام القليلة السابقة لنهار التكليف، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات المبنية على الوقائع والمعطيات:

ان ترشيح سلام لم يأتِ بمبادرة منه، وإنما من عدد من نواب التغيير الجدد، الذين عجزوا عن إقناع زملائهم بالسير بهذا الترشح، فيما ذهبت النائبة بولا يعقوبيان في اتجاه ترشيح الناشط صالح المشنوق، بما شكّل للوسط النيابي التغييري محاولة لشق الصف، وذهب نواب من خارج هذا الاصطفاف الى توصيف الانشقاق الذي يحصل بين النواب الـ 13 وكأنه مقصود ومدبر ويخدم اجندات محددة. وبدا في موقف التغييريين انهم لم ينقلبوا على سلام بل على أنفسهم بعدما سقطوا ضحية السقوف العالية التي رفعوها في حملاتهم الانتخابية، وباتوا عاجزين عن النزول عن شجرتها الآن.

لقد خسر سلام فرصة ثانية سنحت له لتولي رئاسة الحكومة، بعد تراجع نواب عن تسميته كان يمكن لو اتحدوا ان ينجحوا في إيصاله الى السرايا.

لا يمكن وصف موقف جعجع بالانقلابي على سلام، ولا يمكن تحميله هذا الحجم، وفق ما تقول أوساط سياسية مراقبة. ذلك ان “القوات” لم تكن أساساً في وارد تسمية سلام، انطلاقاً من فشل تجربتها الاخيرة معه، وهو ما شرحه في شكل واضح رئيسها في مؤتمره أمس. كما انه لم يكن هناك اي تنسيق بين “القوات” والتغييريين الرافضين أساساً لأي نوع من التنسيق والتحالف مع أي من القوى الموجودة. يضاف الى ذلك ان “القوات” لم تكن في وارد تغطية آخر حكومة للعهد تحت اي مسمى أو شكل، كما انها ليست في وارد الدخول الى الحكومة أياً يكن رئيسها.

لا يرتبط موقف جعجع بالموقف السعودي او يعبّر عنه لجهة رفض تسمية سلام، وان كان الاكيد انه لا يتعارض معه أبداً، على خلفية أنه لو كان للمملكة قرار بتسمية الرجل، لما كانت “القوات” خرجت عن خيارها.

وعليه، لا تبدو خيارات المملكة في اتجاه الدفع نحو توفير الغطاء الإقليمي لحكومة آخر العهد، لا في ما يتعلق بسلام او بميقاتي، علماً ان مقاربة تكليف ميقاتي لا تنطلق من تسمية رئيس حكومة بقدر ما تقوم على تمديد الوضع القائم حتى نهاية الولاية الرئاسية على قاعدة ان الاهم يسبق المهم. والاهم هنا سيكون الاستحقاق الرئاسي وليس الحكومي.

في هذه الحال يفتقد سلام الغطاء المسيحي في ظل تمنّع الكتلتين الكبريين عن تسميته. واذا كان جعجع قدم في شكل مسهب وواضح أسباب تمنّعه، فإن رئيس “التيار البرتقالي” النائب جبران باسيل اصبح أسير عناده. فلا هو قادر على تسمية سلام، ولا بات قادرًا على العودة الى خيار ميقاتي. ولا تخفي الأوساط المراقبة قلقها من إقدام الرجل اليوم على خطوة غير محسوبة، بعدما ضاقت أمامه الخيارات التي يمكن ان تحفظ له مكاناً وازناً في الحكومة العتيدة، علماً ان أياً من الطرفين الاقوى مسيحياً لا يسقط من حساباته ان حظوظ تشكيل حكومة لا يزال عند مستوى الصفر!

لا يعني غياب المكونين المسيحيين الأكبر عن التسمية فقدان اي رئيس سيكلف، وهو على الغالب ميقاتي، الميثاقية المسيحية، اذ لا تحتسب هذه الميثاقية الا عند التأليف وليس عند التكليف.

وتشكك هذه الأوساط في ما يجري تداوله عن دعم فرنسي لميقاتي، واضعة هذا الكلام في إطار خلق حالة خارجية داعمة في وجه الامتناع السعودي. وفي رأي هذه الأوساط ان باريس المنشغلة اليوم بوضعها الداخلي المترنح غداة النتائج الصادمة لانتخاباتها التشريعية تبحث عن طريقها نحو قيادة حكيمة بعدما باتت عاجزة عن ذلك في ظل الانقسامات التي أنتجتها تلك الانتخابات.

في الخلاصة، يبقى ميقاتي الأكثر حظاً للبقاء في السرايا، ويتأكد اكثر فأكثر استمرار تشتت قوى المعارضة وعجزها عن تجاوز حساباتها الضيقة، التي تصب في مصلحة كل طرف فيها ولا تلتقي مع مصلحة الطرف الآخر من ضمنها، الامر الذي يصب في مصلحة أقلية تتحول الى اكثرية بفعل صلابتها ووحدة موقفها تحت لواء ضابط إيقاع واحد ينظم الأدوار ويوزعها ويحكم.