Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر April 20, 2016 04:29
A A A
من كيسنجر إلى هولاند!
الكاتب: ميشال ن ابو نجم - السفير

بين لقاء هنري كيسنجر والرئيس سليمان فرنجية في مطار رياق في كانون الأول 1973، ومرور الرئيس الفرنسي في مطار رياق 2016 فوارق كبيرة.
لا مجال للمقارنة أساساً. فقد تغيَّرت معادلات وسالت مياه كثيرة تحت الجسور اللبنانية وتغيرت طبيعة النزاعات الإقليمية والداخلية. وقد يكون سوريالياً استحضار مشهد زيارة كيسنجر الشهيرة التي أتت في ظل المخاطر الأمنية على بيروت في ظل سيطرة المنظمات الفلسطينية المُسلَّحة وإثر صدامات أيار 1973، ومن ثم مقارنتها بزيارة هولاند إلى مخيم الدلهمية للنازحين ـ المقيمين السوريين. والأهم، أنَّ الاستقرار اللبناني ما زال مضبوطاً، وقد لا يكون ناجماً عن حُسن نية الفرقاء اللبنانيين بقدر ما هو محمي بالمظلة الدولية وبسبب تنفيس الاحتقانات في أكثر من بلد عربي.
لكن جوانب من المعضلة اللبنانية عصيّةٌ على الحجب والإنكار تطلُ من وراء مشهد الزيارت الدولية للبقاع بين الأمس واليوم. في الـ1973 مشروع توطين لم يتوقف وتنفيس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي ـ العربي في لبنان، وفي الـ2016 سعي دولي للتخلص من عبء اللجوء السوري وإبقاء النازحين حيث هم.
صحيح أن تفجّر أكثر من بلد عربي خلق ساحات عربية غير لبنان لتصفية الصراعات الإقليمية والمذهبية والدولية، لكن تحدي الحرب السورية المنفجرة في العام 2011 أخطر وأكثر وطأة بكثير من تداعيات نكبة 1948. في الأرض اللبنانية الصغيرة ما يناهز المليوني نازح سواء اليوم أو بعد فترة قصيرة، ويقترن ذلك بحركة دولية مشبوهة تضع نصبَ أعينها توفير البيئة المناسبة لبقاء النازحين، مالياً ومعنوياً وسياسياً، فيبقى لبنان في المسار نفسه لما أريد في السبعينيات.
لا بأس إنْ شابت هذا المشهد عوامل مختلفة وحتى مشجِّعة للبنانيين أو معزّية لهم في بعض الأحيان. هناك هيكل دولة بالحد الأدنى ونزاعات باردة ووحدة للجيش لا تنفصم. غير أنَّ عدم اندلاع نزاع ساخن لا يعني بالضرورة انعدام خطر تحلل الكيان اللبناني في ظل ما أدى إليه النزوح العشوائي من تداعيات في الديموغرافيا والعبء المالي والصحي والتربوي والأمني، متكئاً على لامبالاة جزء كبير من طبقتنا السياسية.
وسط كل ذلك، تشكِّل المنظمات والقوى الدولية غير المبالية بمصير لبنان الخصم الأكبر الحقيقي له. فبين كلِّ قرارٍ وقرار فخ في الكلمات والمصطلحات القانونية التي تترتب عليها آثار وموجبات بعيدة المدى، كما حصل في عبارة «العودة الطوعية» التي استُبدلت لاحقاً بـ «العودة الآمنة». وتبقى المواجهة مع كل طرف دولي يسعى إلى تأبيد النزوح السوري وضرب مصلحة السوريين قبل اللبنانيين، أرخص بكثير من تفجير البلد واضمحلاله.
في سهل البقاع سالت مياه كثيرة بين 1973 و2016. لكن ما نعرفه نحن جيل الشباب أننا نرى وبحسرة أنفسنا نواجه ما واجهه جيل آبائنا، ولكن مع ثقلٍ أكبر على أكتافنا، التي ستبقى عريضة.