Beirut weather 22.41 ° C
تاريخ النشر April 30, 2022 09:32
A A A
عيد الفطر في لبنان: غصّة على واقع مزر وحسرة على ماض جميل
الكاتب: روزيت فاضل - النهار العربي

في جولة بيروتية عشية عيد الفطر المبارك، بدت الأسواق الشعبية في مناطق عدة، على غرار الطريق الجديدة وبربور وسواها، مكتظة بالأهل الذين يحاولون شراء بعض الثياب لصغارهم ليشعروا فعلياً بفرحة العيد. وبدا أن المحال التجارية تستقطب فقط أولياء الصغار، الذين يبذلون جهداً لشراء ما تيسره الحال، على غرار هذا الفستان الزهري اللون الذي اختارته هذه السيدة لصغيرتها حنان.

قالت السيدة: “رغم أنني أحتاج إلى ثياب في موسم الصيف، لكنني تناسيت نفسي وجئت لشراء هذا الفستان لصغيرتي. سأذهب إلى المتجر هناك، فأسعاره مقبولة لأنني في الحقيقة لا أحمل أكثر من 500 ألف ليرة لبنانية”.

 

واقع الحال ليس بأفضل عند سيدة أخرى تحمل طفلاً صغيراً اسمه فادي. توقفت شارحة لنا أن طاولة الإفطار في رمضان لم تكن كالعادة، فقد “أبقينا على تناول التمر وكلفة 5 حبات 2500 ليرة، والجلاب 10 آلاف، وصولاً إلى تحديد نوعين من الخضر للفتوش مع شوربة وبعض الأرز وبطاطا مسلوقة لا أكثر ولا أقل، وهذا مع تناول الخبز لنشعر بالشبع”.

ماذا ستشترين اليوم؟ عينا أم فادي شاردتان لأنها لا تعرف فعلاً إذا كانت ستتمكن من شراء سروال لصغيرها احتفالاً بالعيد. لم نكمل حديثنا لأنها كانت تشعر بإرباك كبير، وعدم قدرة على التصرف بحكمة مع طفلها.

هذه عينة من الشعب الكادح الصامت على وجعه القاتل وموته البطيء. في ظل هذا الانكماش الاقتصادي، تعود الذاكرة بنا إلى الماضي في حوار مع الإعلامي والباحث في التراث الشعبي زياد عيتاني عن أجواء العيد ماضياً.

العيديّات

 

ذكر عيتاني بأهمية الاستعدادات للعيد، مشيراً إلى أن العيد “كان مناسبة لجمع شمل القريب والبعيد، و”لمة” العائلة، وثياب جديدة، ونقودٍ من جمع “العيديات”، لصرفها على لهونا الذي لا يخلو من بعض الشقاوة البريئة”.

ولفت إلى “أهمية الاستنفار المبكر في المنازل، وهي تتحول إلى ما يشبه خلية نحل تعج بالحيوية والنشاط، وكانت النسوة يتوزعن في ما بينهن العمل في المنازل بكل مودة وطيب خاطر”، مشيراً إلى أن “أول ما تقوم به النساء كان تنظيف الدار خصوصاً للعيد، وعملية التنظيف هذه كانوا يسمونها “تعزيلة العيد”، وهي تختلف عن غيرها بأن تشمل البيت بأكمله بكل جدرانه ومحتوياته وفرشه ومقتنياته، وذلك حتى يكون جاهزاً لاستقبال الضيوف والمهنئين بالعيد من الأقارب والأصدقاء”.

بعد الانتهاء من التنظيف، تأتي مرحلة صناعة المعمول المنزلي وتقتني البيوت ما لذَّ وطاب من أصناف الحلويات، إكراماً للضيوف والمعايدين، إضافة إلى شراء كسوة العيد من أسواق “الطويلة” و”سرسق” و”أياس” وشارعي “فوش” و”اللمبي”، كل بحسب ميزانيته.

حياة اللهو
ماذا يحصل بعد الانتهاء من الواجبات العائلية؟ ذكر عيتاني أن “الجميع كانوا يتوجهون إلى حياة اللهو التي كنا نعد الدقائق للقيام بفعالياتها، والتي تخصص لها أماكن ومناطق محددة، تعج بالناس المحتفلين بالعيد وسط أجواء عارمة من البهجة والسرور”.

وتناول عيتاني محطتين بارزتين هما حديقة الصنائع والكورنيش البحري.

وقال: “هذه الحديقة كانت محطة أساسية في برنامج أنشطة العيد، فلا بد من أن يخصص لها يوم، ننتظره بلهفة شديدة، وذلك لركوب الدراجة الهوائية، من دون أن نكون نعلم في حينه أن الحديقة هي معلم بيروتي ذو طراز عثماني. أما الكورنيش البحري الممتد من عين المريسة، مروراً بالمنارة ومدينة الملاهي، وصولاً إلى الروشة، المرتبط بذاكرة البيروتيين وتراث مدينتهم، فكان يتحول أيام العيد إلى مدينة بحرية قائمة بحد ذاتها، كأنه عالم خاص تخصص مساحته إلى فسحة للعيد بكل طقوسه الشعبية الملونة بكل ألوان الفرح واللهو التي تحاكي الأطفال والأولاد، الذين يجدون فيه ضالتهم ليقضوا أجمل أوقات العيد”.

دواليب اللهو

وعدد عيتاني وسائل اللهو ومنها “دواليب الهوا الملونة المثلثة الأضلع المصنوعة من الورق اللميع والمعلقة بعود من الخشب الرفيع، وتدور وتدور مع قليل من الرياح الهادئة، باعثة البهجة في نفوسنا، وغزل البنات، الذي كنا ننتظر بائعه بدراجته الهوائية، واضعاً أمامه العدة الخاصة بصناعة الغزلة، مرتدياً زياً مزركشاً يستهوي الصغار”، مشيراً إلى أهمية “طائرات الورق بأشكالها وألوانها المختلفة، التي كانت أكثر ما كان يسرق انتباهنا بدهشة كبيرة”.

واستذكر بائع حلوى “الكرابيج” وصاحب اليانصيب و”السحبة”، إذ “كنا ننتظر بائعاً متجولاً يحمل بيده سطلاً حديدياً وكيساً في داخله قراطيس من البسكويت، وكان على الزبون الصغير أن يدفع للبائع خمسة قروش فيعطيه “الزهر” (النرد) ليرميه أرضاً، والرقم الذي يستقر عليه “الزهر” يكون له بعدده “قراطيس” معبأة بالناطف الموجود في السطل، كما كانت في حوزته علبة كرتونية “السحبة” مقسمة إلى مربعات صغيرة مخرمة، مقابل “الفرنك” يمكن للطفل أن يفتح أحد مربعات الحظ، لكي يحصل على ما يخبأ له في داخل المربع من هدية، بالأغلب تكون خاتماً من البلاستك، كذلك “السحبة” لم يكن مرغوباً أن نلعبها، خشية أن تكون فخاً لنا في المستقبل للعب “القمار” (الميسر)، بحسب معتقدات الأهل”.

 

ولم ينس بائع “الفستق العبيد”، لا سيما “عندما تفوح رائحة الفحم المشتعل الممزوجة برائحة الفستق المحمص، في إشارة إلى اقتراب بائع الفستق السوداني على الكورنيش، أو اقترابنا من مكان وضع بسطته، التي هي عبارة عن قاعدة خشبية، يضع عليها وعاءً حديدياً دائرياً من طبقتين ولها داخون صغير، الطبقة السفلى لوضع الفحم، والعليا لعرض الفستق الساخن ذي الطعم اللذيذ والشهي، ويشك حولها “قراطيس” مصنوعة من ورق مجلات قديمة يعبئها للزبائن”، مشيراً إلى أنه “غالباً ما كنا نناديه “عم عبدو”، ربما لأن بشرته سمراء، وكان لطيفاً ومحباً ويساير الأطفال، وكنا ننتظر ضحكته حتى نشاهد أسنانه الشديدة البياض”.