البلد غارقٌ في المخالفات القانونيّة والفساد. تريد أن تُحاكم أحدَهم. يأتيك من يقول إنّ له حصانةٌ تمنعُك من محاكمته قبل تتميم شروطٍ تبقى دائماً خاضعة لاعتبارات مذهبيّة.
هناك حصانة للنواب لكن “الشباب فاهمينا غلط”. الحصانة المطلقة هي على الكلام والآراء التي يبدونها طيلة مدة ولايتهم. صحيحٌ أنّها حصانةٌ مطلقة على آرائهم وأفكارهم وفق الدستور، لكن هل تعلم لماذا أصدر الغرب هذا التشريع؟ الفكرة في بريطانيا كانت ضرورة تكريس حصانة تحمي النوّاب من تدخل الملك. نعم “من تدخُّل الملك” ليس إلّا. الثوّار الفرنسيون اعتمدوا هذه الفكرة بهدف حماية السلطة التشريعيّة من تدخلات السلطة التنفيذيّة المتمثّلة باللجوء التعسفي إلى القضاء. لكن هذا لا ينطبق على أفعال النائب الجرميّة الذي يمكن ملاحقته، “إنّما” بعد الحصول على إذنٍ من مجلس النواب. وهل سيصوّت نوّاب حركة أمل مثلاً على قرارٍ برفع الحصانة عن نائبٍ شيعي مثلاً؟ الجواب: “طبعاً لا”. وسمٍّ من شئت من الطوائف والأحزاب الأخرى.
بالمناسبة السعيدة، هل تعلم أنّ لا حصانة للوزراء؟ لكن، والـ “لكن” هنا كبيرة، يمكنك محاكمتهم فقط أمام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. عظيم. لكن، كم مرّة إنعقد هذا المجلس منذ الطائف؟ لم ينعقد ولا لمرة واحدة حتى حينه.
الحصانة المطلقة هي لموقع رئاسة الجمهورية الذي مُنح حصانة تحول دون محاكمته أمام القضاء العدلي وتنحصر صلاحية محاكمته بالمجلس الأعلى حتى في حال ارتكابه جرماً عاديّاً. لكن في بلدٍ منخورٍ بالمذهبيّة مثل لبنان، من يجرؤ على طلب محاكمة رئيس الجمهوريّة من دون أن يغامر بزعزعة السلم الأهلي؟
خذ مثلاً الموظفين الإداريّين، المخاتير، رؤساء البلديّات والكتاب العدل. هل تعلم أنّ ملاحقتهم تحتاج إلى إذن مسبق من الرئيس التسلسلي، إذا كان الجرم ناشئاً عن الوظيفة؟ وهل تعلم أنّه يعود للنائب العام التمييزي وحدَه أن يمنح هذا الإذن أو يحجبه في حال الخلاف بين سلطة الملاحقة والجهة الإدارية المختصة؟ تخيّل معي نائباً عامّاً سنيّاً سيقرّر في إعطاء الإذن لملاحقة مديرٍ عام درزيٍّ في وزارةٍ يتولّاها وزيرٌ مسيحي متحالفٍ في السياسةِ مع الحزب التقدّمي الاشتراكي. “خبيصة”.
أما المحامون، فانّ ملاحقتهم جزائياً تحتاج إلى إذن مسبق من نقابة المحامين عندما يكون الفعل المُسند إليهم ناشئاً عن المهنة. ماذا لو كان مجلس النقابة أو النقيب متحالفاً مثلاً مع التيّار الوطني الحر فيما المحامي موضوع الملاحقة من التيّار نفسه أو من حزب الله؟ ألا يُشكل ذلك ملاذاً لهذا المحامي؟
خُذ مثلاً آخر هو أعضاء لجنة التحقيق الخاصة بمكافحة جريمة تبييض الأموال الذين يتمتعون بحصانة شاملة، إذ لا يجوز ملاحقتهم لا جزائياً ولا مدنياً. “معقول” في بلدٍ فيه كل أنواع الموبقات الماليّة أن تُحصّن ذوي النفوذ إلى هذا الحدّ؟
الحصانات قامت في الغرب لضمان حسن سير العمل، ولحماية المشرّعين من إمكانيّة فساد الملك، وإمكانيّة ضغطِ وزيرٍ على مدير عام. هي لم تقُم لتعزيز الموبقات ولا لحماية الفاسدين ولا “للتفشيخ”. هي قامت فقط من أجل تطبيق القانون وحماية من يُطبّق القانون من الضغط القانوني لمن هو أعلى منه رُتبةً. بين مفهوم الحصانات عند المشرّع الأساس وبين تطبيق الحصانات لدى أصحاب السلطة عندنا سنواتٌ ضوئيّة لا توجدُ فيها إلّا العتمة.


Beirut weather 23.41 ° C