Beirut weather 10.39 ° C
تاريخ النشر January 10, 2022 08:21
A A A
ثلاث فرص متاحة أمام القوى السياسية لإنقاذ البلاد من أزماتها.. فأيّ منها ستتلقّفها قريباً؟!
الكاتب: دوللي بشعلاني - الديار

لا تزال الأمور مغلقة في البلاد بسبب عدم توافق القوى السياسية فيما بينها، رغم أنّه أمامها ثلاث فرص حالياً للإجتماع ومناقشة المواضيع الضرورية والتوصّل لمعالجة الوضع الإقتصادي والمالي، وإنقاذ البلاد الذي يدخل من ضمن مسؤوليتها. فهناك أولاً مجلس الوزراء الذي يسعى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى انعقاده، وإن من باب مناقشة الموازنة العامّة للإتفاق مع صندوق النقد الدولي. وثانياً طاولة الحوار التي دعا اليها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون طارحاً ثلاثة عناوين على جدول أعمالها هي اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة، الاستراتيجية الدفاعية، وخطّة التعافي الإقتصادي. وثالثاً، العقد الإستثنائي الذي وقّع مرسومه عون وميقاتي، مستخدمين ما ينصّ عليه الدستور من صلاحيات تتعلّق بهما لجهة تحديد تاريخ فتح وإقفال هذه الدورة الإستثنائية للمجلس، وبرنامج عملها أي جدول أعمالها… ولكن الصراعات والتشنّجات السياسية لا تزال سيّدة الموقف، رغم كلّ ما يوحي بأنّ ثمّة تسوية ستحصل قريباً. فهل سيتلقّف المسؤولون إحدى هذه الفرص المتاحة أم سيقومون بتضييعها الواحدة تلو الأخرى بسبب الاختلاف في وجهات النظر والصراع على الصلاحيات؟!

مصادر سياسية مطّلعة تحدّثت عن أنّه في حال دعا ميقاتي الى انعقاد مجلس الوزراء، فإنّ الجهة الرافضة للعودة الى الجلسات الحكومية قبل إيجاد حلّ لقضية القاضي طارق بيطار، لن تشارك فيها، وإن كان الهدف من هذه الجلسة مناقشة الموازنة العامة لكلّ من 2021 و2022، كونه أمرا ضروريا لاتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي. وهذا الأمر يحول دون التئام مجلس الوزراء بمن حضر، على ما كان طالب الرئيس عون في وقت سابق. وفي حال انعقاده فإنّ الجلسة ستكون آنية وموقّتة، فيما المطلوب أن يقوم مجلس الوزراء بمهامه، على ما وعد في بيانه الوزاري لجهة إنقاذ البلاد من أزماتها الإقتصادية والمالية المتفاقمة، لا سيما مع وصول الدولار الأميركي الى أكثر من 30 ألف ل. ل.

وفي ما يتعلّق بطاولة الحوار التي دعا اليها الرئيس عون، والتي تُمثّل الفرصة الثانية أمام القوى السياسية للإجتماع والتفاهم على العناوين التي طرحها، فلا يمكن أن تحصل بمن حَضر، تضيف المصادر، كون التغيير المنشود منها لبناء دولة أفضل، لا سيما في بلد تحكمه التركيبة الطائفية الحالية، لا يمكن التوافق عليه مع اعتذار البعض عن المشاركة في هذه الطاولة. فاعتذار رئيس ثاني أكبر كتلة نيابية في المجلس النيابي الحالي سعد الحريري عن تلبية الدعوة، ومقاطعة “القوّات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” بطبيعة الحال لها، تُشكّل معطيات كافية لتعطيل هذه الطاولة. هذا إذا كنّا لن نتحدّث عن الرفض الضمني من قبل قوى سياسية عديدة لها، من دون الإعلان عن هذا الأمر، لا سيما في هذا التوقيت بالذات الذي يفصل البلاد 4 أشهر فقط عن انتخاب المجلس النيابي الجديد. علماً بأنّ ميقاتي سبق وأن أعلن أنّه مع الحوار ومع إضافة بند السياسة الخارجية على جدول الأعمال، فيما تقول مصادر برّي إنّه بشكل مبدئي جاهز ومنفتح على الحوار في أي وقت، وينتظر وصول الدعوة لكي يبني على الشيء مقتضاه.

وتقول المصادر نفسها ان بند اللامركزية الإدارية والمالية الموسّعة المطروح من قبل رئيس الجمهورية كأحد العناوين على جدول أعمال طاولة الحوار هو الذي يعرقل انعقادها، أكثر من بندي الاستراتيجية الدفاعية، وخطّة التعافي الإقتصادي.

فاللامركزية التي يريد الرئيس عون من خلال تطبيقها إحداث التغيير المنشود وبناء الدولة التي يحلم بها الشعب اللبناني، تجد فيها قوى سياسية عديدة نوعاً من “التقسيم” والذهاب الى “الكونتونات” والفيديرالية وسوى ذلك، لا سيما عند الحديث عن “اللامركزية المالية”. علماً بأنّ ثمّة اقتراحات قوانين في مجلس النوّاب تتعلّق بها منذ “اتفاق الطائف”، وحتى قبله الى يومنا هذا، تفنّد آلية تطبيقها، من دون المسّ بدور وصلاحيات السلطة المركزية التي تشرف على غالبية الأمور الأساسية، وإن كانت المناطق تحظى ببعض الاستقلالية المالية لتسهيل بعض المشاريع المحلية.

كما ترى القوى المعارضة لطاولة الحوار، أنّ توقيت الدعوة لهذه الطاولة، على ما أوضحت المصادر، ليس مناسباً كون البلاد دخلت حمى الإنتخابات النيابية، والتغيير يجب أن يقوم به المجلس النيابي الجديد. كذلك فإنّ المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته في 21 أيّار المقبل، ليس مؤهّلاً لإقرار قانون اللامركزية الإدارية أو سواها من القوانين، لا سيما بعد استقالة 8 أعضاء منه ووفاة 3، الأمر الذي يجعل تشريعاته منتقصة مع غياب 11 نائباً من أصل 128.

تبقى الفرصة الثالثة، على ما أضافت المصادر عينها، وهي توقيع عون وميقاتي مرسوم الدعوة الى فتح العقد الإستثنائي لمجلس النوّاب، والذي أحدث نوعاً من التضارب في الصلاحيات مع ردّ رئيس مجلس النوّاب على هذا المرسوم الذي حدّد تاريخ فتح واختتام العقد وبرنامج عمله بأنّ “المجلس سيّد نفسه”. علماً بأنّ الدستور ينصّ في المادة 32 منه على أنّ المجلس النيابي يجتمع كلّ سنة في عقدين عاديين، يبدأ الأول يوم الثلاثاء الذي يلي 15 آذار وينتهي في نهاية أيّار، والثاني يوم الثلاثاء الذي يلي 15 تشرين الأول، ويستمر في الإنعقاد حتى نهاية العام. أمّا المادة 33 من الدستور فأعطت رئيس الجمهورية حقّ دعوة المجلس للإنعقاد بعقود إستثنائية، وذلك بعد الإتفاق مع رئيس الحكومة، وذلك بمرسوم يحدّد تاريخ افتتاح واختتام العقد وبرنامجه.

وأوضحت المصادرأنّه درجت العادة في العقود الإستثنائية السابقة للمجلس على عدم الدخول في التفاصيل لسبب أو لآخر، فيما تضمّنتها الدعوة الحالية لفتح الدورة الإستثنائية، ما أحدث “نقزة” نوعاً ما من هذا المرسوم، وربّما لهذا تحدّث برّي عن أنّ “المجلس سيّد نفسه”، وهذا أمر صحيح، غير أنّه جزء من المنظومة الدستورية التي تنصّ عليها المادة المذكورة. من هنا، ترى المصادر أنّه لو أعطيَ للمجلس الدستوري صلاحيات تفسير الدستور، لأصبح مرجعية في هذا المجال، ولكنّنا تفادينا السجالات السياسية، وحرب الصلاحيات وتفسير كلّ جهة سياسية للقانون على هواها، على أنّه التفسير الأصحّ.

أمّا الدعوة لفتح العقد الإستثنائي، فالهدف منها، على ما أكّدت المصادر نفسها، الإستفادة من الوقت المتبقّي لمجلس النوّاب الحالي، سيما أنّ العقد الثاني له يبدأ في منتصف آذار المقبل، ما يهدر نحو شهرين هباء، وثمّة 75 قانوناً في مجلس النوّاب لم تصدر مراسيمها التنظيمية بعد من قبل الحكومة الحالية والحكومات السابقة، فيما يحتاج البلد حالياً وبشكل سريع الى تشريع القوانين التي تتعلّق بمشاكل المواطنين، ولم يُقصّر المجلس في هذا المجال إذ شرّع أخيراً القانون المتعلّق بالدولار الطالبي، غير أنّ الرئيس عون طالب المجلس بإعادة النظر فيه بهدف تحصينه وتحقيق المساواة بين الطلّاب اللبنانيين. علماً بأنّ برّي يُصرّ على التشريع وأن تعمل اللجان النيابية كخلية نحل بشكل مستمرّ لتشريع القوانين الملحّة.

ولكن المشكلة، على ما تشرح المصادر، تتعلّق بالتفاصيل التي نصّ عليها المرسوم إن لجهة تحديد العقد الإستثنائي من 10 كانون الثاني الجاري (أي غداً الاثنين) الى 21 آذار المقبل، أي تاريخ فتح العقد العادي الثاني للمجلس، أو لجهة البنود المدرجة على جدول أعماله. فبرنامج العمل يتضمّن، على ما ورد في المرسوم “مشاريع أو اقتراحات قوانين ملحّة تتعلّق بالإنتخابات النيابية”، وهو أمر مستغرب، لا سيما بعد إقرار القانون الإنتخابي وتعديلاته مع عدم اتخاذ المجلس الدستوري أي قرار بشأن الطعن في التعديلات الذي تقدّم به “التيّار الوطني الحرّ”. فهذا البند يفتح الباب أمام تقديم طعونات جديدة، ما يجعل مصير الإنتخابات النيابية المقبلة على المحكّ، ويعرّضها لتأجيل تقني. هذا الى جانب بند “عقد جلسة مساءلة الحكومة والردّ على الأسئلة أو الإستجوابات الموجّهة إليها”، في الوقت الذي لم تعقد فيه الحكومة الحالية سوى جلستين وزاريتين منذ تشكيلها في 10 أيلول من العام الماضي.