Beirut weather 25.16 ° C
تاريخ النشر October 11, 2021 08:16
A A A
المفاوضات مع صندوق النقد الأسبوع المقبل… خشبة خلاص أم شر لا بد منه؟
الكاتب: جاسم عجاقة - الديار

مع إقتراب موعد قدوم فريق التفاوض الصندوقي إلى بيروت، يظهر إلى العلن توجهان لدى القوى السياسية فيما يخص التفاوض مع صندوق النقد الدولي. التوجّه الأول يرى في صندوق النقد الدولي فرصة للخروج من الأزمة التي تعصف بلبنان ولو كان مقابل تضّحيات يتوجّب تحملها؛ وبالتالي يرى هؤلاء أن التفاوض مع صندوق النقد الدولي يُمكن أن يتمّ في وقت قصير نظرًا إلى أن الإطار الإقتصادي المحلّي والضغط الدولي سيلعبان دورًا أساسيًا في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
في المقلب الآخر، هناك توجّه آخر لدى بعض القوى السياسية يتوجّس خفية من هذه المفاوضات نظرًا إلى إحتمال أن تكون هذه المفاوضات واجهة لتطويق لبنان سياسياً لذا يُكثر أصحاب هذا التوجّه الحديث عن الشروط القاسية التي سيفرضها الصندوق على لبنان وما يواكب ذلك من ضرر على المواطنين في محاولة لحجب النظر عن السبب الحقيقي لهذا التوجس.
ثلاثة مبادئ يجب إحترامها
عمليًا وكما ذكرنا في مقالنا السابق “المفاوضات مع صندوق النـــقـــد فــي غـضـــون أيام… وهذه هــي الآليــة” – نُشر في جريدة “الديار” بتاريخ 7 تشرين الأول 2021 – هناك ثلاثة مبادئ ترعى أي مفاوضات لصندوق النقد الدولي مع دولة عضو في هذا الصندوق:
المبدأ الأول – وينص على الإنفتاح على التجارة العالمية بأبعادها الإستثمارية والتجارية؛
المبدأ الثاني – ترك حرية تحديد سعر الفائدة للسوق من خلال آلية العرض والطلب وعدم التدخل إلا ضمن إطار السياسات النقدية المتعارف عليها أي الفائدة على المدى القصير؛
المبدأ الثالث – خروج الحكومات من المجال الإقتصادي بالكامل وتركه للقطاع الخاص مع الإحتفاظ بدور الرقابة والتشريع والتنظيم التي تنص عليها النظرية الإقتصادية.
فكل برنامج إصلاحي يجب أن يلتزم هذه المبادئ الثلاثة على أن يكون البرنامج الحكومي المعتمد يؤدي حقيقة للإصلاح وليس فقط مطية للحصول على أموال الصندوق!.
في لبنان، النهج المُعتمد إلى الآن في إدارة الشؤون المالية والإقتصادية للدولة هو نهج أثبت فشله وأبرز معالم هذا الفشل الوضع الذي أوصلنا إليه. وبالتالي النتائج السلبية لهذا النهج إنعكست على كل الأصعدة، إقتصاديًا وماليًا ونقديًا وإجتماعيًا وصحيًا وتربويًا وبيئيًا. عمليًا البرنامج الحكومي يجب أن يركز بالتحديد على إصلاح النتائج السلبية وتعديل سلوك الدولة المالي والإقتصادي والإجتماعي والبيئي باتباع حوكمة رشيدة كما هو الحال في العالم المتحضر.
فإذا كان لبنان قادرًا حقيقة على القيام بهذه الإصلاحات من دون صندوق النقد الدولي، فلماذا لم يتمّ القيام بها سابقًا أو حتى حاليًا؟
في الواقع الحوكمة الإقتصادية والإجتماعية في لبنان خاضعة للحسابات السياسية بشكل حصري، حيث إن الصراع السياسي بين القوى السياسية أدى إلى تعطيل أو تجميد تنفيذ ألاف المشاريع التي كانت لتعود بالخير على الإقتصاد خاصة وعلى المواطن عامة.
أسباب الأزمات
وغالبا ما تأتي الأزمات الإقتصادية والمالية والنقدية التي تعصف بالبلدان من عوامل يُمكن تقسيمها إلى فئتين:
الفئة الأولى – العوامل الداخلية : مثل سياسة مالية و/أو نقدية غير ملاءمة، نظام مالي ضعيف، عدم ثبات سياسي و/أو ضعف مؤسسات الدولة؛
الفئة الثانية – العوامل الخارجية: صدمات آتية من كوارث طبيعية ترفع من أسعار المواد الأولية، إنسحاب مفاجئ لرؤوس الأموال، أزمة إقتصادية في بلد أخر تنعكس ظلالها على السوق المحلي
على كلِ الأحوال، الوضع المعيشي اللبناني الناتج عن النقص في الدولارات، فرض وسيفرض دخول الدولة في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وهي بضعة أيام قبل أن يلتقي الوفد اللبناني مع وفد صندوق النقد الدولي في إطار تحضير برنامج حكومي يكون من نتائجه لائحة إصلاحات مع جدول زمني بالإضافة إلى طلب قرض من صندوق النقد الدولي. لكن ما هو نوع هذا القرض وما هي القيمة التي سيتمّ طلبها؟ الجواب على هذا السؤال يفرض عددًا من الإيضاحات نطرحها فيما يلي.
برامج صندوق النقد
يعرض صندوق النقد الدولي العديد من القروض (Arrangements) واحد منها قرض مُيسّر والباقي قروض غير مُيسّرة:
القرض المُيسّر: الدعم المُيسّر من خلال الحد من الفقر والنمو (Poverty Reduction & Growth Trust PRGT)، وهو قرض يستهدف البلدان ذات الدخل المنخفض مع فائدة تبلغ 0.5% (حاليًا خالٍ من أية فوائد) وفترة تتراوح بين 5.5 و10 سنوات. الجدير ذكره أن هذا القرض يفرض على البلد طالب القرض تقديم ورقة إستراتيجية للحد من الفقر كشرط أساسي لقبول الطلب.
القروض غير الميسرة:
1- القرض الإحتياطي (SBA): وتوصيفه في صندوق النقد الدولي بأنه العمود الفقري، ويستهدف هذا القرض اقتصادات السوق الناشئة والمتقدمة لمعالجة مشاكل ميزان المدفوعات قصيرة الأجل أو المحتملة التي تشمل عادةً فترة تتراوح بين 12 إلى 24 شهرًا على ألا تتعدى الـ 36 شهرًا، وتستحق السداد في غضون ثلاث إلى خمس سنوات.
2- التسهيلات الائتمانية الاحتياطية (SCF): هي مماثلة من حيث الغرض للقرض الإحتياطي، وتُستخدم هذه الأداة لمعالجة مشاكل ميزان المدفوعات قصيرة الأجل أو المحتملة، ولكنها مخصصة للبلدان منخفضة الدخل. وتتمتع هذه التسهيلات بفترة سماح سداد مدتها أربع سنوات واستحقاق نهائي لمدة ثماني سنوات.
3- تسهيلات الصندوق الموسعة (EFF): تم تصميم هذه التسهيلات لاقتصاديات السوق الناشئة والمتقدمة التي تعاني من مشاكل طويلة الأجل في ميزان المدفوعات، حيث تعتبر معوقات النمو هيكلية. تتم الموافقة على هذه التسهيلات عادةً لمدة ثلاث سنوات ولكن يمكن تمديدها إلا أن المدفوعات تكون مستحقة في غضون أربع إلى عشر سنوات.
4- التسهيلات الائتمانية الموسعة (ECF): تُعتبر هذه التسهيلات موازية للـ EFF لكنها تطال البلدان منخفضة الدخل التي تقبع في الفقر (خاضعة لـبرنامج PRGT). وهي مصممة لمعالجة القضايا الهيكلية على المدى المتوسط إلى الطويل، ويتمّ عادة الموافقة على مدة ثلاث سنوات ولكن يمكن تمديدها حتى خمس سنوات وتشمل فترة سماح مدتها خمس سنوات، مع استحقاق عشر سنوات.
5- أداة التمويل السريع (RFI): توفر هذه الأداة مساعدة مالية سريعة للبلدان التي لديها احتياجات عاجلة في ميزان المدفوعات، ويمكن استخدامها في مجموعة من الاحتياجات العاجلة، مثل الكوارث الطبيعية والصراعات وصدمات أسعار السلع الأساسية، ويجب سداد القرض في غضون ثلاث سنوات وربع إلى خمس سنوات.
7- التسهيلات الائتمانية السريعة (RCF): تم تصميم هذه التسهيلات لتقديم المساعدة المالية السريعة أثناء الأزمات، ولكنه يخدم البلدان منخفضة الدخل في إطار برنامج “الدعم الميسر من خلال الحد من الفقر والنمو (PRGT)”. وتحمل هذه التسهيلات فترة سماح مدتها خمس سنوات وإستحقاق قدره عشر سنوات. وعلى عكس التسهيلات الأخرى ، فإن هذه التسهيلات توفر الصرف المباشر للقرض في دفعة واحدة مما يعني أنه لا توجد شروط تقليدية يجب الوفاء بها خلال البرنامج قبل الصرف. ومع ذلك ، نظرًا لأنه لا يزال يتعين على البلدان تقديم خطاب نوايا إلى صندوق النقد الدولي يوضح بالتفصيل استجابتها الاقتصادية المخطط لها للأزمة، والتي يجب أن يوافق عليها صندوق النقد الدولي، فقد تم اعتبار هذه التسهيلات مشروطة حكمًا. وإستجابة لـوباء كورنا، ضاعف صندوق النقد الدولي المبلغ الذي يمكن أن تقترضه البلدان بموجب هذه التسهيلات (RCF و RFI).
8- خط الائتمان المرن (FCL): تم تصميم خط الائتمان المرن للبلدان التي يرى صندوق النقد الدولي أن لديها أطرا سياسات قوية وسجلات تتبع في الأداء الاقتصادي التي تمر بأزمة نقدية فورية ولكنها تريد تجنب صدمة وردة فعل السوق العكسية، ويرتبط هذا الخط بشروط صندوق النقد الدولي العادية. فترة السداد تمتد على مدة ثلاث إلى خمس سنوات.
9- خط التحوط والسيولة (PLL): تم تصميم خط التحوط والسيولة (PLL) لتلبية احتياجات السيولة للبلدان ذات الأطر الاقتصادية التي يراها صندوق النقد الدولي سليمة ولكن مع بعض المشكلات المتبقية التي تمنعها من استخدام خط الائتمان المرن (FCL).
10- صندوق احتواء الكوارث وتخفيفها (CCRT): يختلف هذا الصندوق عن الأدوات المذكورة أعلاه لأنه يسمح لصندوق النقد الدولي بتقديم المنح بدلاً من القروض إلى أفقر البلدان في شكل تخفيف عبء الديون. تم تصميمه في عام 2015 أثناء تفشي فيروس إيبولا لتوفير الإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية أو الكوارث الصحية العامة الكارثية وتحرير الموارد لتلبية الاحتياجات الاستثنائية لميزان المدفوعات. في عام 2020، تم تخفيف معايير التأهيل الخاصة للإستفادة من الصندوق وذلك استجابةً لجائحة كورونا.
11- أداة دعم السياسات (PSI): أخيرًا ، يقدم صندوق النقد الدولي أداة للبلدان منخفضة الدخل في إطار برنامج “الدعم الميسر من خلال الحد من الفقر والنمو (PRGT)” ولا تتضمن هذه الأداة أي تمويل على الإطلاق. فقد صُممت هذه المبادرة لمنح البلدان منخفضة الدخل “أداة” تمكنها من الحصول على مشورة صندوق النقد الدولي دون مساعدة مالية بقصد إبداء الثقة للمانحين والدائنين وعامة الجمهور بأنهم مدعومون من صندوق النقد الدولي. وتتراوح فترة هذه الأداة بين سنة وخمس سنوات.
أي برنامج للبنان؟
في إطار طبيعي أي قبل الأزمة ووقف الدفع العشوائي لسندات اليوروبوندز، كان حصول لبنان على برنامج مساعدة مالية من قبل الصندوق لا يتطلّب “وصولا إستثنائيًا” إلى الأموال (كانت الحاجة إلى 5 مليارات دولار أميركي في ظل برنامج إصلاحي)، لكن وبعد مضي أكثر من عام ونصف على التخلّف العشوائي أصبحت الحاجة إلى تمويل إستثنائي حاجة ملحّة.
في الواقع التقييم السابق لصندوق النقد الدولي – والذي وجد فيه سعر الصرف غير مؤاتي، والديون الخارجية غير مستدامة، ودين الحكومة “إنفجاري” – يفرض حصول لبنان على تمويل إستثنائي نظرًا إلى متطلبات التمويل الخارجية. وهذا يعني أن البرنامج الحكومي للدولة اللبنانية سيحوي دون أدنى شك تخفيضًا لسعر العملة، ولكن أيضًا إعادة هيكلة الديون وخفض الإنفاق العام بشكل ملحوظ.
البرامج المطروحة وفي ظل نظام الكوتا الموجود في صندوق النقد الدولي والذي على أساسه يتمّ التمويل، يفرض حصول لبنان على مبالغ إستثنائية (بالإضافة إلى مصادر أخرى) وهو ما قد يتم ترجمته نظرًا إلى أهمية لبنان الجيوسياسية بشرط أن تكون الحكومة قادرة على القيام بإصلاحات ويساندها في ذلك دعم شعبي وتمويل إقليمي. لذا بتوقعاتنا سيكون برنامج “تسهيلات الصندوق الموسع (EFF)” هو الأكثر إحتمالا مع إستثناءات تطال لبنان نظرًا إلى العوامل الجيوسياسية، بالإضافة إلى برنامج “الدعم الميسر من خلال الحد من الفقر والنمو (PRGT)”.
الإقتطاع من القيمة الإسمية للسندات
عمليًا توقعات بنك أوف أميركا – ميريل لينش التي رافقت بداية الأزمة قدرت أنذاك نسبة الإسترداد (Recovery Rate) على سندات الخزينة هو بحدود الـ 20 إلى 30% من قيمة السندات الإسمية وذلك في ظل إعادة هيكلة غير منظّمة، و50% في ظل برنامج مع صندوق النقد الدولي. اليوم وبعد مرور عامين على بدء الأزمة وسنة وسبعة أشهر على إعلان وقف دفع سندات اليوروبوندز في ظل عدم التفاوض مع المقرضين ولا مع صندوق النقد يوحي بأن النسب ستكون أقلّ! الجدير ذكره أن مُعدّل نسبة الإسترداد العملية هي 40% وهي مستخدمة في كل المعادلات الحسابية المالية.
مما لا شك فيه أن الإقتطاع من القيمة الإسمية لسندات الخزينة سيؤثر على الودائع (المحمية بالدستور) والتي تمّ إستثمارها في سندات الخزينة. من هنا تأتي أهمية سرعة الموافقة على برنامج صندوق النقد الدولي وتنفيذه وهو ما سيؤدّي إلى دخول دولارات إلى القطاع المصرفي تسمح للمصارف بإعادة الأموال إلى المودعين (بالعملة الصعبة). أيضًا بعض العوامل الأخرى تؤثر إيجابًا على إسترداد الودائع نذكر منها خفض حجم متطلبات التمويل الحكومي بالعملة الصعبة، ولكن أيضًا حجم القرض من صندوق النقد الدولي، وتوافر تمويل خارجي أخر سواء كان من دول أو من جهات أخرى.
في خضم جميع ما ذكر، هناك حاجة ملحة بأن تقوم الحكومة اللبنانية بتسريع هذه المفاوضات مع حفظ حقوق اللبنانيين في كل مراحل التفاوض، ويبقى الأهم تنفيذ ما ستتوصّل اليه في هذه المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.
رسائل لحكومة ميقاتي
بالتوازي، فقد نُقل عن منسق المساعدات الدولية من اجل لبنان السّفير «بيار دوكان» خلال لقائه شخصيات لبنانية «لا مساعدات حقيقية ولا نجدة دولية قبل القيام بالإصلاحات المطلوبة، لاستعادة الحدّ الأدنى من الثقتين الداخلية والخارجية». هذا الكلام هو رسالة واضحة لحكومة ميقاتي على ضرورة القيام بإصلاحات بالتوازي مع عملية التفاوض خصوصًا فيما يخص ملف الكهرباء الذي إحتلت فيه الإصلاحات جزءًا كبيرًا من اللقاء الذي حصل بين دوكان ووزير الطاقة. على كل الأحوال هذه الرسالة تطال العديد من الملفات التي يُمكن إصلاحها بغضّ النظر عن صندوق النقد ومسار التفاوض معه.
يبقى القول أن المرحلة التي تفصلنا عن التوقيع مع الصندوق على برنامج، هي مرحلة دقيقة سيحتاج لبنان فيها إلى تمويل إستيراده من دولارات تقل يومًا بعد يوم. وهذا تحدٍ أخر لحكومة الرئيس ميقاتي التي يجب عليها تفعيل ديبلوماسيتها بشكل كبير نظرًا إلى أن هذه الأداة هي جوهرية في حل الأزمة الحالية.