Beirut weather 29.05 ° C
تاريخ النشر July 27, 2021 07:36
A A A
الامتحانات الرسميّة غاية أم وسيلة؟ من وماذا نمتحن؟
الكاتب: نبيل قسطة - موقع المرده

لطالما كانت الامتحانات الرسميّة في لبنان موضعَ تساؤلاتٍ مِن قِبَل جهاتٍ عديدةٍ ومُتَنَوِّعَة. ومنذ تأسيسها وانطلاقتها، أخذت أكثرَ من طابَعٍ، وَرُسِمَ لها أكثر من هَدَفٍ، واتّشَحَت بغيرِ هويَّةٍ.ففي زَمَنٍ مضى، وتحديدًا في خلال ما يُسَمّى “أيّام العِزّ” في لبنان، ارتَدَتْ التساؤلاتُ طابَعًا تقييميًّا مهنيًّا ومحترفًا، وكانت الامتحانات يَوْمَها رسميَّةً بِالفِعل ولقد استحقَّت هذه الصّفة، إذ كان لها هيبَةٌ ومهابَة، وكان التلاميذُ وذووهم ومعلّموهم وإدارات مدارسهم يحسبونَ لها ألف حِسابٍ، ويستعدّونَ بجديَّةٍ بالغةٍ للتقدُّم مِنها.باختصار، كانت الامتحانات الرسميَّة وازنة أقلّه في المفهوم التربويّ الّذي سادَ منذ تأسيسها إلى عشيّة الحرب اللبنانيّة وربّما بعدها بقليل.
أمّا في ما بعد تلك الحقبة وصولًا إلى اليوم، فقد سقطَ عن الامتحانات الرسميّة وما يدورُفي فلكِها من تساؤلات ذلك الطابَع المُحترف، ليحلّ محلّه طابَعان أخريان هما طابَع الاتّهامات من قِبَل جهاتٍ عديدة، ولن ندخل هُنا في متاهة هذه الاتّهامات وفي ما يَستَنِدُ منها إلى حقائق ووقائع، وفي ما هو تحامُلٌ وتظلُّم، فالمتابعون من أهل الوسَطِ التربويّ يعرفون شتّى التفاصيل ذات الصّلة. أمّا الطابع الثاني فهو طابَع الدِّفاع، ومحامو الدّفاع فيه غالبًا ما يكونون من أهلِ الحكمِ ومن أسرةِ وزارة التربية ومن قِلّةٍ قليلةٍ من أناسٍ آخرين لهم مصلحة في وقوف موقِف المُدافِع، ولديهم ما يستندون إليه من حُجَج وبراهين.
في غمرةِ هذا الصراع، لا بدَّ من إضاءَةٍ سريعةٍ على حال الامتحانات الرسميَّة في زمنِ العِزّ وعلى حالِها هذه الأيّام.
في ما مضى كانتِ الامتحانات الرسميّة تفحَصُ المرشّحين وتُغربلهم وتفرزهم على أربع مراحِل موزَّعة على مسارٍ تعلُّمِيٍّ على امتداد خمسة عشر عامًّا دراسيًّا. فالفرزُ الأوَّل كان يتمّ من خلال امتحانات شهادة “السرتيفيكا” التي كانت تقع في نهاية السّنوات السّتِّ الابتدائيّة الأولى من التمهيديّ حتّى ما كان يُعرف بصفّ الـ Grade 6. والفرز الثاني كان يتمّ بعد أربع سنوات من السرتيفيكا أي في نهاية ما كان يُعرف بصفّ الـ Grade 10، وذلك من خلال امتحانات الشهادة المتوسّطة”البروفيه” Brevet. وكانت الغربلة الثالثة تتمُّ بعد سنتين من البروفيه أي في نهاية الصّفّ الثانويّ الثاني وذلك من خلال امتحانات شهادة البكالوريا القسم الأوّل، وتليها غربلة أخيرة ونهائيّة في ختام الصّفّ الثانويّ الثالث من خلال شهادة البكالوريا القِسم الثاني الذي كان معروفاً باسم الصف الثالث عشر.
وفي هذا السّياق لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ نِسَب النجاح كانت تتضاءَل بين مرحلة وثانية، فَمِن ثمانين في المئة تقريبًا في السرتيفيكا إلى نحو ستّين في المئة في البروفيه إلى خمسة وأربعين في المئة في البكالوريا القسم الأوّل إلى ثلاثين في المئة أو أقلّ في البكالوريا القِسم الثاني. وهذا ما يؤشّر إلى الصعوبات والتعقيدات التي كانت تُرافق الامتحانات الرسميّة آنذاك، وإلى التطرُّف الذي ذَهَبَ إليه الإصرار على التقييم القاسي وأو النخبويّ إذا جاز التعبير، والذي حرَمَ العديد من التلامذة فرصَ النجاح (خاصةً التلامذة ذوي الصعوبات التعلّميّة). بكلام آخر، كانتِ الدولة تَحْتَفِل بنظام تربويّ يُرسِّب التلاميذ، بدلًا من احتفالِها بنظام يُنَجّح التلاميذ ويوصلهم إلى تحقيق أهدافهم وتوسِعة آفاقِهم، وَحُجَّتها في ذلك كانت تعود إلى معادلة قوامها:
أ- الامتحانات القاسية تجوِّدُ التعليم.
ب- الامتحانات القاسية تنخبُ التلاميذ وتعطي الفرصة فقط لذوي القدرات العالية.
هذا كان في زمنٍ مضى، أمّا اليوم، فقد تبدَّلَت الآية وانقلبَت المفاهيم رأسًا على عقِب، وبِتنا نسمعُ أهل الوزارة عبر وسائل الإعلام يُطمئنونَ التلامذة المرشّحين ويدعونهم إلى عدم الخوف، وكأنّهم بطريقة غير مُباشِرة، يَعِدونَهم بالنجاح الأكيد بخاصَّة في هذه السنة بعد ما اقترحت وزارة التربية، ولأوّل مرّة،إمكانيّة إختيار مادّة امتحانيّة من خمس موادّ كانت في السّابق إلزاميّة، وبعدما أجرت تخفيضات على المنهج والبرنامج بنسبة 40 و50 في المئة.
كم يبدو غريبًا هذا الإنقلاب!فمِن تشدُّدٍ ونِسَب نجاح منخفضة، وقد لا تتعدّى الخمس والعشرين في المئة إلى رغبةٍ في إنجاح جميع المرشّحين وإعطائهم شهادةً بدلًا من إفادة.
إنّ هذا التحوّل المُثير للعجَب يدفعُنا إلى تفكير أعمق في مسألة الامتحانات الرسميّة في بلدِنا، وذلك من خلال مجموعة طروحات وأسئلة تُساعِدُنا على تحديد الهدف الحقيقيّ لما يُسمّى امتحانات رسميّة.
وفي قراءة عَرضيّة لما هُوَ مُتَّبَع في العديد من البلدانِ المتقدِّمَة، يتبَيَّنُ لنا أنَّ أنظمةً تربويّة مُمتازة في العالم كنظام البكالوريا الدوليّة IB، لا امتحانات رسميّة فيها، إنّما تتّبع منهج التقييم المستمرّ بحيث ينجح التلميذ في ختامه أو لا ينجح، علمًا أنَّ القيّمين يُصِرّون بغير طريقة وأسلوب على أن ينجح التلميذ. كذلك هي الحال في المستويين البريطانيّين O Levels and A Levelsحيثُ لا امتحانات رسميّة في المعنى الصحيح، إنّما هُناك امتحانات متتالية في المادّة المطلوب من التلميذ أن ينجح فيها.والأمر لا يختلف في برنامج الهاي سكول High School الأميركيّ الذي لا امتحانات رسميّة فيه.
بمقابل ما تقدَّم، أبقت بعض المناهج والبرامج الدوليّة على الامتحانات الرسميّة كما في البكالوريا الفرنسيّة مثلًا، وفي سياق المقالة سنذكر الدوافع إلى تمسّك الفرنسيّين بالامتحانات الرسميّة. وكما في العديد من مدارس العالم، كذلك في أكثر من جامعة مهمَّة ومعروفة حيثُ تمّ مثلًا إلغاء امتحان الـ SAT وامتحان الـ ACTكشرطٍ للدخول إلى هذه الجامعة أو تلك.
نسمع بعض المتسرّعين في بلدنا يُنادون بالإبقاء على الامتحانات الرسميّة اللبنانيّة ويريدون تعزيزها والتشدُّد فيها بحجّة أنّها تُعطي مصداقيّة أكبر للعمل التربويّ في لبنان، علمًا أنَّ الشهادة الرسميّة لم تَكُن مرَّة قادرة على مَنْحِ مصداقيَّة لدولةٍ ما، إنّما الدولة إيّاها هي التي تَمْنَح شهادَتها الرسميّة مصداقيَّةً. وهذا ما يُسقِطُ فكرة التمسُّك بالشهادة لِأَجْلِ المصداقيَّة، ولا يختلف اثنان في إمكانيَّة أن يكون لبلد شهادة رسميَّة بلا مصداقيّة، وأن يكون لنظامٍ تربويٍّ آخر في بلد آخر مصداقيّة عالية بلا شهادة.
وبعد كلّ ذلك، نسألُ:
•هل نحنُ في لبنان نُريد فعلًا التمسُّك بالامتحانات الرسميّة بما فيها امتحانات الشهادة المتوسّطة والثانويّة العامّة؟ وإذا كانت هذه الامتحانات الرسميّة مُهمّة إلى هذا الحدّ وتشكّل عمليّة فاحصة لجودةِ التعليم، فلماذا ألغَت الدولةُ شهادة السرتيفيكا والبكالوريا القسم الأوّل، في حين أبقَت الدولة الفرنسيّة على الأخيرة تحت ما يُعْرَف بالـ Anticipation؟ ولماذا يستعدّ تلامذة لبنان سنويًّا لامتحانات شهادة البروفيه، وفي خلفيّة تفكيرهم إمكانيّة إلغائها في أيّ لحظة؟
•هل المطلوب العودة إلى أسلوب الفحص والفرز والغربلة (Filtrage) الذي كان مُتَّبَعًا في السابق على أربعة مستويات، بكونه قادرًا على رفع منسوب أهميّة الامتحانات الرسميَّة؟
•لماذا الامتحانات الرسميّة في وسط مساحة واسعة من الغشّ السّائد على امتداد سنواتٍ طويلة باستثناء دورات 2018-2019 حيثُ انخفضت نسبته بسبب وجود كاميرات مراقبة في قاعات الامتحانات؟ ألا يمنع هذا المقدارُ من الغشّ إجراءتقييم فعليّ ونزيه وشفّاف لقدرات المرشّحين؟
•إنَّ الامتحانات الرسميّة في لبنان، منذ نشأتها إلى اليوم، لا تزال تقيسُ المعارف Knowledge وليسَ المهارات Skills، فيما البكالوريا الفرنسيّة تقيسُ مثلًا، مهارات الصياغة في الآداب والفلسفة، وتمتحِنُ من خلال الأسئلة في الموادّ الامتحانيّة كافّة مهارات التفكير النقديّ والتفكير التحليليّ والتفكير التسلسليّ إلخ… وعليه، وإذا كانت الامتحانات الرسميّة في لبنان تقيسُ المعارف وليسَ المهارات، فأيّ نوع من الخرّيجين تقيس وتمتحن؟ وفيما العالم ينتقلُ من دنيا المعرفة إلى دنيا المهارات والمعرفة، فأيّ خرّيجٍ لا زِلنا نحنُ في لبنان نُقيّم ونمتحن ونقيس؟
وها هي قوّة برنامج الـ IG والـ IB تكمُن في أنّها تقيس مهارات التلميذ كلّ سنة على امتداد ثلاث سنوات وتتضمّن موادّ اختياريّة بحيثُ يختار التلميذ المادّة التي يجد نفسه متمكّنًا منها وهي ذات صلة قويّة باختصاصه الجامعيّ لاحقًا. إنّ اعتماد هكذا خيار مثلًا، فإنّه من جهةٍ أولى يؤمّن للتلميذ رصيدًا من العلامات مُكَوَّنًا من أكثر من تقييم، بحيثُ يمكن اعتماد رصيد السنتين الأولى والثانية في حال حصول طارئ يمنع إجراء تقييم في نهاية السنة الثالثة، ومن جهةٍ ثانيةٍ يُريح أعصاب التلميذ وأعصاب ذويه ويقيهم التعب واللهاث على امتداد يومين أو ثلاثة يُحَدَّد فيها مصير المتعلِّم. فالغاية الأولى والأخيرة هي تقييم التلميذ وليسَ الانتقام منه وممَّن حولَه.
بناءً على كلّ ما تقدَّم، ولئلّا نتطرّف في رأينا وموقفنا وكأنّنا ندعو إلى إلغاء فوريّ للامتحانات الرسميّة، فنُتَّهَم بالمُساوَمة على المستوى التربويّ وبمحاولة ضربِه وطعنِه، بينما نحنُ نصرّ على امتحاناتِ الشهادة الثانويّة العامّة، أقلّه حتّى تاريخه، عِلْمًا أنَّ امتحانات هذه السنة ليسَتْ في حِسْبانِنا ولم يَعُد مُهِمًّا اتّخاذ أي موقِف منها، فإنّنا نعتبر هذه المقالة بمثابة دعوة إلى تشكيل مجلس خبراء قوامه خبراء كبارٌ في الامتحانات الرسميّة وأصحابُ خبرات في الأنظمة التربويَّة العالميّة، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر، خبراء من الـ IG والـ IB للاستفادة من خبراتِهم.مجلس يكونُ بعيدًا كلّ البعد عن السياسة والسياسيّين ولا يُراعي أيّة قواعد طائفيّة ومذهبيَّة.مجلس يُقارب موضوع الامتحانات الرسميَّة برمّتها ويبدأ من الصّفر وكأنّه لم يَكُن عندنا يومًا امتحانات رسميَّة، ثُمَّ يَرفع في ختام جلساتِه ونقاشاتِه وأبحاثِه توصيةً إلى الحكومة اللبنانيَّة عبر وزير التربية، تنصُّ على توجُّهٍ من اثنين: إمّا إلغاء الامتحانات الرسميّة مع كلّ الدوافع والمبرّرات، مرفقة بكلّ الضمانات لتكثيف الجودة في المدارس،وإمّا الإبقاء عليها مع كلّ الدوافع والمبرّرات، مرفَقَةً بنوعيّة الأسئلة وغاياتِها. وفي هذه الحال، حريٌّ بالمجلس المذكور أن يُعيد النظر في كلّ ما يُسَمّى امتحانات رسميَّة وشهادات كانت مُعْتَمَدة سابقًا.
ويبقى على الحكومة اللّبنانيّة أن تقرّر ما تريد القيام بهِ في أيّار أو في حزيران أو في مطلع تموز من العام 2022. ولا نُبالغ إذا قُلْنا إنَّ مشروعًا كهذا، إذا بدأ العمل فيه غدًا قد لا يستغرق أكثر من ستّة أشهر على أبعد تقدير، وبخاصّةً إذا تمّت مقاربته من قِبَل المجلس المُشار إليه، بذهنيّةٍ منفتحة وعصريّة وقابلة للحوار والنقاش والاستفادة من خُبراتٍ عالميَّة متقدّمة، على أن يُجري تكييفها مع معطياتنا التربويّة وواقعنا اللبنانيّ.