Beirut weather 16.41 ° C
تاريخ النشر May 20, 2021 07:20
A A A
يا قدسُ… يا مدينة المقدّسات والصمود
الكاتب: المحامي محمد أمين الداعوق - اللواء

الصواريخ الحقيقية، ذات الأثر والفاعلية التي حرّكت الدول والشعوب، هي تلك التي انطلقت من القدس، ومن حي الشيخ جراح بالذات، ومن ثم استقطبت إليها جماهير الفلسطينيين الذين قوقعهم الإحتلال في المدن والقرى الفلسطينية المحتلة على مدى عقود عديدة من الزمن، وبالتحديد، شبابهم وشاباتهم المنحدرين من جيل النكبة، والذين تفجرت ثورتهم على الظلم والخنوع والتمييز العنصري، وعلى كل مستجدات المرحلة المتأتية عن ولاية الرئيس ترامب وصهره وحزبه الجمهوري، والمتمثلة في «الهدايا» التي فرضها عليهم بمنحه القدس وركائز الوجود الفلسطيني في وطنهم الأم، عامدا إلى إلغاء كل أثر لإمكانية نشوء وتكريس مبدأ الدولتين الذي سبق أن أسفرت عنه جملة من الإضطرابات والمباحثات والتوافقات الفلسطينية والإقليمية والدولية.
الصواريخ الحقيقية هذه، وبعضها ناتج عن افتعالات نتانياهو وطموحاته إلى البقاء في الحكم الإسرائيلي لأطول مدة ممكنة، مضافا إليها رغبته الجامحة للإختباء بالحكم وامتيازاته من تهديد العقوبات القضائية التي ما زالت تلاحقه وتهدده بنقله من دارته الحاكمة في الكيان الصهيوني، إلى غياهب العقاب على ما اقترفه جنوحه الفاضح نحو مغريات الفساد والإفساد. وها هو «نتن ياهو»، يغرق في عمليات القتل والإنتقام والتنكيل بفلسطيني القدس وملحقاتها في الأرض الفلسطينية التي سبق للأوروبيين الذين عانوا على مدى تاريخهم الطويل من الوجود اليهودي السابح في بحار الظلم والتحكم الاجتماعي والاقتصادي المستند إلى طغيان الربّى الفاحش وامتداده إلى السيطرة على مقاليد الركائز الإجتماعية والسياسية والمالية على امتداد أوروبا شعوبا ودولا ومؤسسات، فكان الحلُّ المنشود لمشاكلهم ومآسيهم تلك، تأييد قسريّ كاسح من قبلهم لتمكين يهود أوروبا من إنشاء وطن لأولئك المستحكمين والمتحكمين برقابهم وبأحوالهم، وقد وقعت «القرعة» والنصيب العربي والإسلامي العاثر، على الأرض الفلسطينية، الأمر الذي أنقذهم من تغلغل اليهود في صلب حياتهم ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وبذلك، تمكنوا من تنظيف بلادهم من معظم السموم التي كانت تسوّد حياتهم وأحوالهم، وكان الأثر المباشر أن استبدلوا أماكن استقرارهم في أوروبا بالأرض السائبة والمحتلة في ذلك الزمان: فلسطين. وكانت النكبة… وابتلي العالم العربي عموما وفلسطين خصوصا، بوضعها وآثارها ونتائجها في منطقة الشرق الأوسط، بل وفي العالم كله.
وبلغ الجموح الإسرائيلي ذروته من خلال التطورات الأخيرة التي امتدّت على مجمل الأرض الفلسطينية المحتلة، بل واستفحلت من خلال نتانياهو وإمعانه في خلق وتعزيز وإطلاق الجموع اليهودية الاستيطانية المتطرفة التي لم تألُ جهدا في التحرش الوقح والمشبوه بالقدس وأماكنها المقدّسة، مما أغرق الصهاينة في عدائيتهم وهجمتهم الوحشية على القدس والمقدسيين، وهذا غيض من فيضِ ما أدى إلى الإنتفاضة المجلجلة في مجمل الأرض الفلسطينية المحتلة. هنا جاء دور غزة وهبّتها إلى نجدة هذه «الإنتفاضة الجديدة»، وانطلقت الصواريخ الغزاوية إلى قلب الكيان الصهيوني وصولا إلى تل أبيب ومعظم المدن والقرى في الجوار وفي العمق. صحيح أن معظم تلك الصواريخ المنطلقة من غزة «زخّات زخّات» يعدُّ كل منها بالعشرات والمئات. وصحيح أن هناك من يرى في الزخّات الصاروخية بعضا من توجهات إقليمية تقاتل من خلالها جنود وطاقات وأرواح الجهات التي تمكنت من الإمساك بزمامها، ولكن، ومع التحفظ لجهة وجود كثير من علامات الإستفهام، يبقى أن توقيت هذه الأحداث الجسام التي انطلقت من غزة، قد جاءت نتيجةً لتطورات القدس الشريف وملحقاته من الأحياء والمدن، من هنا أضيفت نتاجاتها وآثارها على مجمل الوضع الفلسطيني المستجد فملأته زخما وتحسّبا، الأمر الذي أدّى إلى وضع إسرائيل في هذا الموقف الذي صبّت فيه «الصواريخ الغزاوية» على مجمل الوضع المستجد، فملأت الداخل الصهيوني، تهيّبا وخشية ودفعت بالإسرائيليين إلى الاحتماء بالملاجئ، وملأتهم رهبة وخوفا على حياتهم وأعمالهم ووضعهم المعيشي والاقتصادي، وقسّمت مسؤوليهم بين مؤيد ومعارض، ومعظمهم رفع الأصبع الاتهامي بوجه نتانياهو محددا مآخذه على دوافعه ومراميه ورغبته في تحقيق انتصار ما على حساب غزة وأرواح أبنائها وسلامة عمرانها في المدن وفي القرى، بل وفي كل مكان يلوح منه أي شكل من أشكال الحياة، فضلا عن أنه يطلب بذلك، الحماية لنفسه من شرّ أعماله التي تهدده بدخول السجن.
من هنا… قلوبنا مع غزة، مع أهلها الصامدين المعانين من ممارسات القتل والتدمير والتنكيل، دونما أي رادع من ضمير ومن تحسّب إنساني، فضلا عن تحفظاتنا وتحسباتنا تجاه وضعيات الإستغلال الممنهج، المشار إليه أعلاه.
فلسطين بأسرها، هي ذلك الرجل الواحد والشعب الموحّد المدافع عن مقدساته وأرضه ووجوده وحياة أبنائه. ولنا في مقبل الأيام وفي جهود المعالجات والمهدئات، مدعاة إلى استخلاص الدروس والعبر، توصلا إلى شواطئ الإنقاذ والأمان الفلسطيني والقومي الشامل، دون أن ننسى في الختام توجيه «الشكر الملغوم» للولايات المتحدة الأميركية التي ما زالت تثابر على دعمها الأعمى للكيان الصهيوني، ولو بصورة ناعمة، وبأياد تحتمي بالقفازات، مع إشارة إلى تحوّلات هامة بدأت تظهر في أوساط الأجيال الجديدة من الأميركيين يؤمل أن تتطور إلى ما فيه خير الفلسطينيين والعرب والعالم، حيث أن لكل زمن تطوراته وأحكامه.