Beirut weather 15 ° C
تاريخ النشر April 18, 2016 06:15
A A A
20 عاماً على عناقيد الغضب… النسيان مجزرة ثانية
الكاتب: علي عواضة - البلد

عشرون عاماً على حرب نيسان 1996… عشرون عاماً وما زال الجرح ينزف لمئات العائلات الجنوبية من مجزرة قانا الى اسعاف المنصوري وسحمر والنبطية، التي شكلت صرخات الاطفال فيها هزة للعالم النائم، ودليلاً اضافياً على بشاعة آلة الحرب الاسرائيلية.

عناقيد الغضب او حرب نيسان، والتي بدأت في 11 نيسان تحت حجة حماية المستوطنات الاسرائيلية من نيران حزب الله، اخذت طابعاً تصاعدياً حيث استمرت لـ16 يوماً، قامت خلالها اسرائيل بأكثر من 1100 غارة جوية، ادت الى سقوط مئات الشهداء والجرحى كانت اقصاها مجزرة قانا الاولى عندما تم قصف مجمع مقر الكتيبة (الفيجية) التابعة لقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان.

الكتيبة التي التجأ إليها ما يزيد على 800 من المدنيين الذين ظنوا أن مظلة المنظمة الدولية ستحميهم من ويلات “عناقيد الغضب” لم تشفع لهم الخيمة الدولية، ففي الثامن عشر من نيسان العام 1996 وبعد الثانية ظهراً بقليل أطلقت مدفعية العدو نيرانها على مجمع مقر الكتيبة، ما ادى الى سقوط اكثر من 106 شهداء ومئات الجرحى، لتتحول معها المجزرة الى قضية رأي عام عالمي خصوصاً ان المستهدف هم من المدنيين احتموا تحت خيمة الأمم المتحدة.

وفي الذكرى العشرين للمجزرة يتذكر اهالي قانا القصف وكأن المجزرة حصلت أمس، فحمد حمادي وهو احد سكان القرية يتحدث عن طفولته وكيف انه قبل المجزرة بيوم واحد فقط خرج من القرية الى بيروت، حيث يشير الى انه حين سمع بالخبر رغم صغر سنه شعر حينها بحالة من الغضب، وتحول الطفل الصغير الى شاب يحاول الانتقام لصرخات اطفال قريته، معتبراً انه رغم نجاته من المجزرة جسدياً الا ان آثار تلك المشاهد ما زالت حافرة في ذاكرته وكأنها حصلت امامي امس.

صرخة أمي تلاحقني
بينما الناجية فاطمة سكيكي، اعتبرت ان مشاهد الدماء ورائحة الموت كانت منتشرة في كل مكان “لم نستوعب حينها ما حصل فبعد القصف لبضع دقائق توقف الزمان وتحولت ضحكات الاطفال الى صرخات، فالبعض فقد امه والبعض الآخر فقد عائلته بأكملها، فالمجزرة رغم مرور 20 عاماً عليها الا ان صرخات الاطفال واشلاء الشهداء ما زالت حافرة في ذاكرتي حتى الموت. اما الشاب برجي فيقول ما زالت صرخة امي تلاحقني في كل مكان رغم صغر سني حينها الا انه لا يمكن ان انسى كيف استشهدت والدتي امام عينيّ دون ان استطيع انقاذها من همجية الاحتلال الاسرائيلي، مضيفاً الاطفال في العالم يربون على اللعب والضحك وحنان الام اما الاطفال الذين كانوا في الخيمة فكبروا عشرات السنوات في لحظة واحدة. اما حسن والذي فضل عدم الكشف عن عائلته فيقول كنت حينها في سن الخامسة عشرة من عمري حين استشهد افراد عائلتي امامي وتشوه وجهي من حجم القصف، نجوت بأعجوبة، لا اعلم كيف ولماذا نجوت ولكن كل ما ادركه انني سمعت صوت انفجار ضخم واستيقظت وانا في المستشفى، فقدت معظم افراد عائلتي… مضيفاً ان تلك المجزرة كانت السبب الاساسي لانخراطي في صفوف المقاومة اللبنانية للانتقام لعائلتي فالعدو هو السبب الرئيسي لفقدان اهلي واخوتي، معتبراً انه يمكن ان يكون سبب نجاته هو للانتقام لدمائهم، مضيفاً ان التحرير في العام 2000 كان بمثابة سداد جزء من الدين مع اسرائيل.

مجزرة في حق الانسانية
اما علي عطية وهو احد سكان قانا والذي غادرها قبل حصول المجزرة بثلاثة ايام فاعتبر ان الشهداء كانوا يعتبرون انفسهم بحماية الامم المتحدة الا ان تلك الحماية لم تمنع اسرائيل من ارتكاب مجزرتها رغم التحذيرات التي اطلقها المركز بأن القصف قريب من الكتيبة، معتبراً ان المجزرة رغم بشاعتها الا ان السكوت العالمي عنها مجزرة اخرى في حق الانسانية، فالجرح من مجزرة قانا 1996 وقانا 2006 شكل جرحا كبيرا رغم مرور السنوات الا انه سيبقى موجوداً في ذاكرة ابناء القرية ولن يمحى خصوصاً ان العائلات المتواجدة كان معظمها من الاطفال والنساء ومع مرور السنوات اصبح جزء كبير من الشعب اللبناني يتناسى تلك المجزرة وكأنها لم تحصل بينما ابناء قانا في الذكرى العشرين هناك تجديد دائم للمجزرة وجرح دائم. معتبراً ان الالم موجود لجميع ابناء القرية الا ان الذكرى بدأت تنسى من ذاكرة العديد نظراً للظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة فالشاب اللبناني همه الهجرة ولا يفكر حالياً بمجزرة عمرها عشرون عاماً قد يحييها في يومها فقط. اما الجرح فيبقى فقط لابناء الشهداء والجرحى… اما الجيل الحالي فبالكاد يعرف كيف حصلت تلك المجزرة او كيف تم قصف اسعاف المنصوري فالهم الحالي لهذا الجيل هو اما الهجرة او مصارعة الحياة الصعبة في لبنان وكأنهم اموات نفسياً.

“دم شهدائنا يستحق أكثر من الخطابات المعلّبة” بهذه العبارة يختصر بعض ابناء قانا المجزرة فعتبهم على الدولة كبير فالجرح لا يتذكره الا اقارب الشهداء والجرحى، فيجتمع ابناء الشهداء على قبور اقربائهم في المقبرة يضعون الورود ويستمعون لبعض الخطابات التي تتحدث عما حصل، بينما بعض شباب القرية لا يعرف ما حصل اصلاً فهو قد سمع عنها من الاصدقاء والاقارب فيرى علي ان كمية المجازر في العالم العربي طغت على مجزرة قانا والمنصوري وكفر قاسم ودير ياسين وصبرا وشاتيلا، معتبراً انه لو حرّكت اشلاء اطفال قانا الضمائر لما وصلنا الى وطن يعيش النفس الاخير يتعشش داخله الارهابيون الذين دربتهم اسرائيل ولكننا لم نتعلم دروس قانا بل نحيي ذكراها على مضض، فأمهات الشهداء يعيدن في المقابر، يتذكرن ما حصل مع اطفالهم.
اسعاف المنصوري
20 عاما على عناقيد الغضب 1996 وعشر سنوات على حرب تموز 2006، حروب سقط خلالها آلاف الشهداء والجرحى الا ان ارادة الحياة ومقاومة الاحتلال تكبران يوماً بعد آخر خصوصاً عند اهالي الشهداء الذين يعتبرون ان مجازر الاحتلال منذ العام 1948 ستبقى شاهداً على وحشية اسرائيل رغم محاولات العالم تجميل هذا الوحش الذي لم يستطع التصدي للمقاومة فانتقم من الاهالي وخيم الامم المتحدة وسيارة الاسعاف في المنصوري حين عبرت سيارة اسعاف تابعة لكشافة الرسالة الاسلامية – الجمعية الخيرية لبلدة المنصوري – تقل نازحين حاجز القوات الفيدجية، ولم تكن سيارة الاسعاف ان تتجاوز الحاجز حتى هاجمتها المروحيات الاسرائيلية واطلقت عليها صاروخاً موجهاً، ما ادى الى انحراف السائق عن الطريق وتحطمها لدى دخولها في بناء مجاور.

20 عاماً على عناقيد الغضب... النسيان مجزرة ثانية

نجلا ابو جهجاه المصورة الصحافية لوكالة رويترز روت حينها تفاصيل المجزرة فتقول “لقد رأيت مجازر من قبل، ولكن مجزرة سيارة اسعاف المنصوري هي الابشع”. فتشير الى انه قرابة الساعة الثانية والربع بعد الظهر يوم 13 نيسان في طريق المنصوري – القليلة، حيث قررت ان اتحين الفرصة لالتقاط صورة لحاجز قوات الطوارئ الدولية، وهو خال من العناصر بسبب القصف الاسرائيلي العنيف، وما ان فرغت من ذلك حتى سمعت صوت سيارة اسعاف، فجهزت نفسي لالتقاط الصور ظناً مني انها تنقل جرحى. مرت سيارة الاسعاف بالقرب منا، فشاهدت في داخلها على عكس ما توقعت، عائلة نازحة معظمها من الاطفال.

وبعد القصف الاسرائيلي لم يخطر ببالي ان تكون سيارة الاسعاف قد اصيبت. ثم ظهرت فجأة سيارة مرسيدس بيضاء. وبعد لحظات ظهر رجل يحمل طفلتين تسيل الدماء من وجهيهما اللذين اختلطا بغبار الارض، وهو يصرخ ويردد “لقد قتلوا اولادي”. ثم ظهر رجل آخر يحمل طفلة وهو يهرول ايضاً مذعوراً. حاولت ان التقط صوراً لهما. وما ان اقتربا حتى اتضح لي انهما جريحان وان الطفل الذي حمله احدهما لا يتجاوز الشهر الواحد من عمره. وكان احد الرجلين يصرخ ويقول بصوت مخيف ردد صداه ارجاء المكان: “اربعة اولاد يا عالم”. بينما الرجل الآخر كان يضرب رأسه، فيما الفتاة التي برفقته كانت تقول: اختي انفجر رأسها.‏‏

حاولت الدخول الى البستان حيث كان ينبعث دخان خفيف، فسلكت طريقاً جانبياً، وهناك وجدت المفاجأة: سيارة الاسعاف عينها التي مرت قبل قليل، اصطدمت بالحائط من جراء اصابتها بصاروخ الطوافة الصهيونية، وكان المشهد مرعباً، كانت في داخلها امرأتان، واحدة في الخمسين والاخرى في الثلاثين من العمر ومعهما ثلاثة اطفال، جميعهم كانوا ملطخين بالدم.‏‏ وكانت هناك طفلة تلقي رأسها على نافذة السيارة وتحاول ان تفتح عينيها. كانت تحتضر، وما لبثت ان فارقت الحياة بوداعة لافتة.‏‏

وفي المقعد الخلفي وبين جثث عائلتها شاهدت طفلة كانت تقوم وتقعد، ثم نامت من دون حراك، ظننتها ماتت ولكني عرفت في ما بعد انها مصابة.‏‏ بينما الصغيرة في حضن امها كانت ايضاً جثة هامدة والى جانبها فتاة تصرخ “يا عمتي… يا عمتي”.‏‏.. حاولت فتح الباب لانقاذ احد ما… لم استطع. طلبت من حاجز قوات الطوارئ ان يفعل شيئاً، فلم يتجاوبوا”.‏‏