Beirut weather ° C
تاريخ النشر April 18, 2016 04:36
A A A
اكتئاب الأطفال… قد يتحول إلى انتحار!
الكاتب: عماد المرزوقي - الراي

إنهم أجيال المستقبل، الذين ننتظر منهم الكثير والكثير… يزداد الألم حين نعلم أن من بينهم العشرات بل المئات مصابون بالاكتئاب… مرض العصر الذي كان البعض يعتقد إلى حد بعيد أنه حكر على البالغين، إلا أنه انتقل بفضل تغير الثقافة وانفتاح الأطفال على مصادر معلوماتية غزيرة إلى هؤلاء الزهور فجعلتهم يعقلون حياة الكبار بهمومها وهم ما زالوا في عمر الورود.

الصدمة الكبرى أن بعض هؤلاء الأطفال قد يكون تعرض إلى جرعة زائدة من إطلاعه على عالم الكبار فدفعهم ذلك إلى الحزن مثل حزن الكبار بل وقادهم إلى اكتئاب مثل اكتئابهم، وقد يكون بعض الأطفال المراهقين في بعض الأوقات على سبيل المثال عند أخذ علامة غير جيدة، أو عدم النجاح أو مجرد مواجهتهم لاستفزاز من أصدقائهم، أو مزاح سخيف تعرضوا له، أو إهانتهم من مدرس، أو تعنيف من أسرهم يختارون الصمت أو الانعزال كعلامة على غضبهم أو اكتئابهم.

وفي دراسة لـ «الراي» كشف بعض الاختصاصيين النفسيين المشرفين على بعض حالات اكتئاب الأطفال في مدارس الكويت أن بعض هؤلاء الأطفال بلغ به الأمر إلى التفكير والإقدام على فكرة الانتحار في محاكاة للكبار.
هذا التشوه المعرفي والسلوكي الذي انتقل إلى عالم البراءة، جعل اختصاصيين يدقون ناقوس الخطر لوقفة من أجل عدم تدمير عالم الطفولة الجميل الذي يعيش فيه الطفل حلماً وليس كوابيس الكبار. حيث بين عدد من علماء النفس الكويتيين أن بعض حالات الأطفال المصابين بدرجات مختلفة من الاكتئاب تجعل بعضهم يلزم الصمت بدل الكلام أو المشاركة، والبعض الآخر يكون سلوكه غريب الأطوار وميله إلى العنف متزايد.
رئيسة قسم علاج الحالات النفسية منيرة القطان حذرت في تصريح لـ «الراي» الأسر الكويتية من أن «بعض الأطفال في المدارس يعانون من درجات مختلفة من الاكتئاب، والتي تكون مؤشراته كثيرة كعدم التحدث والانزواء في الفصل وعدم الاختلاط نهائيا بالآخرين». وبينت القطان أن «هناك بعض الأطفال الذين يكون اكتئابهم عبر إظهار للعنف أو الانفعال الزائد أو عدم الاكتراث بالتعليم وعدم احترام المعلم»، مضيفة أن «دور المعلمين لا يقتصر على شرح المنهج لطلابه بل يمتد إلى إبلاغ المعالج النفسي في المدرسة عن الأطفال المكتئبين الذين تكون تصرفاتهم غريبة أو خارجة عن المألوف». وكشفت القطان عن اكتشاف حالات اكتئاب تكون على عاتق الأسر أيضاً، وهذا يتطلب أن يكون لدى الوالدين ثقافة ومعرفة بسلوك أبنائهم، وهذا من شأنه أن يساعد المعالج النفسي في علاج الاكتئاب الطفولي، التي أرجعت القطان نصف دوافعه إلى الأسرة. ولفتت القطان إلى أن «هناك بعض الأسر تغفل عن التحاور مع أبنائهم فتتركهم ينعزلون في غرفهم بالساعات من دون سؤالهم ماذا يفعلون، كما أن الاستهلاك المكثف للإنترنت فضلاً عن ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام من دون توجيه أو توعية قد يدفع الأطفال إلى تقليد شخصيات في مثل هذه الوسائل المعرفية. فاطلاع الأطفال الزائد على المعلومات بشكل منعزل ومنفرد قد تكون تبعاته خطيرة حيث تؤدي إلى الاضطرابات النفسية والاكتئاب. فمن يتحمل مسؤولية انحراف ثقافة وإدراك الأطفال الذين يندفع بعضهم إلى اليأس من الحياة وهم رمز الحياة؟». وأكدت القطان أن «بعض الأطفال يعانون من أعراض الاكتئاب الحاد، والذي يصل ببعضهم إلى محاولة الانتحار عبر تقطيع شرايين يده»، ناصحة «الأسرة بأن تتحمل نصف مسؤولية علاج أبنائها من حالات الاكتئاب بمصادقتهم وعدم تركهم أكثر من ساعة ونصف الساعة في غرفهم لوحدهم». وثمنت القطان أهمية اقتراب الأباء من الأبناء وبناء علاقة صداقة أفضل من علاقة أبوية من أجل تعزيز الثقفة ودفع الأطفال لمصارحة أبائهم بكل الأمور، وهنا يكمن دور الأباء في التوجيه والترشيد والنصح.

بدورها قالت الباحثة النفسية في وزارة التربية لطيفة الهدهود لـ «الراي» إن «حالات الاكتئاب بين الأطفال في ازدياد ومنتشرة بصورة واضحة في المدارس وخارجها وقد تكون الاضطرابات النفسية والعزلة، والأفكار الانتحارية والهلاوس والوساوس بعض الأعراض التي تظهر على سلوك الأطفال والمراهقين في المدراس». وأضافت أن «الاكتئاب الطفولي له درجات مختلفة ما يدفع المعالجون النفسيون إلى سرعة التدخل المبكر لعدم تطوره إلى فكرة انتحار عادة ما تكون نتيجة اكتئاب حاد ناجم عن تكون نظرة سلبية لدى الطفل عن الحياة».

518624_256129_Org_1_-_Qu65_RT728x0-_OS1600x990-_RD728x450-
وبينت الهدهود أن «حالات محاولات انتحار بعض الأطفال كانت محاكاة لما يشاهدونه في أفلام أو صور أو مقاطع فيديو في وسائل الإعلام الإلكترونية، أو ما يسمعونه من بعض الأصدقاء أو الكبار كإقدام البعض على الانتحار قفزاً من مكان عالٍ، أو تناول جرعات زائدة من حبوب معينة». وأوضحت الهدهود أن «أسباب حالات الاكتئاب التي تنتشر بين أطفال المدارس يمكن إرجاع أسبابها إلى نوعين: سبب يتمثل في الاستعداد الوراثي والجيني للاكتئاب. والسبب الثاني يتمثل في تقلص دور الأسرة ونقص الحوار بين الأباء والأبناء واستهلاك ثقافة التواصل الاجتماعي والاطلاع المبكر على تجارب آخرين اكبر منهم سنا. فيما لم يبرز سبب تدني العلامات المدرسية بين الأسباب الرئيسية للاكتئاب».
وبالنسبة للأسباب الوراثية الوراثية وما إذا كانت لها ارتباط بإقبال الأطفال على الانتحار، قالت إن «بعض الأطفال لديهم استعداد جيني للإصابة بالاكتئاب حيث قد يكون انتقاله للأطفال عبر الوراثة»، مشيرة إلى أن «إصابة بعض الأطفال المكتئبين بحالات دهامية تكون أعراضها عادة على شكل هلاوس بصرية وسمعية، وتصنف مثل هذه الحالات في خانة الاكتئاب الحاد، كما قد يكون الاكتئاب الوراثي على شاكلة اضطراب نفسي أعراضه إصابة أطفال بالوسواس حيث قد تتملك البعض فكرة بعينها يعطونها حجماً أكبر من حجمها وتلازمهم».
وزادت الهدهود أنه «في هذه الحالات إذا لم تعرف الأسرة كيفية التعامل مع أبنائها المتعرضين لمثل هذه الاضطرابات النفسية أو أهملت التواصل معهم فقد يلجأون للعزلة،ومثل هذا السلوك قد يزيد من حدة الاكتئاب، وقد تكون نتائجه غير محمودة عندما يصل بعض الأطفال لعدم إدراك ما يفعلون ويصل بهم الأمر إلى تجسيد الحل في الانتحار».
فالتدخل المبكر من المعالج النفسي الذي يرصد مثل هذه الحالات في الفصول وتعاون الأسرة وفتح أبواب الحوار وتقليص عزلة الطفل واستهلاكه للثقافة الافتراضية عبر وسائل التواصل التي يتشارك فيها البعض تجاربهم الحية، وتكون عبر صور ومقاطع فيديو وأخبار قد تنقل بعضها معرفة مشوهة عن الحياة ومشاهد عنف كثيرة تترسخ في إدراك الطفل وانفعالاته.
إلى جانب الاستعداد الجيني للاصابة بالاكتئاب، بينت الهدهود أن «تراجع التواصل الفكري والروحي بين أفراد الأسرة. حيث يتواصل الطفل مع أفراد أسرته عبر وسائل التواصل الافتراضي، وبالتالي تتقلص فرص الحوار اللفظي المباشر والنقاش بين الأباء والأبناء حول مشاكل الطفل وانشغالاته واهتماماته بمعارفه وتعزيز النظرة الإيجابية له حول الحياة ودعم ثقته بنفسه لمواجهة بعض المشكلات».
وترى أن «الأطفال يبحثون دائما أثناء نموهم المعرفي عن نموذج يتبعونه أو يتأثرون به، وأحسن نموذج وأقربه هي الأسرة كالأب أو الأم، وفي حال غياب النموذج داخل الأسرة فقد يبحث عن الطفل في الأصدقاء أو في وسائل الإعلام الإلكترونية، وهنا قد يكون تأثرهم سلباً بشخصيات تنقل لهم معرفة سلبية عن الحياة قد ترسخ في وعيهم على سبيل المثال أسلوب العنف للتعبير عن قوة الشخصية أو الغش كأسلوب للذكاء».
وهنا يصبح تواجد الأسرة مهم وغيابها قد يسبب كارثة في سلوك الأبناء. حيث أكدت الهدهود أن «ثقافة البيئة التي يعيش فيها الطفل تؤثر على تحفيزه ليكون سوياً نفسياً»، مضيفة أن «كثيراً من حالات الاكتئاب الطفولي ناتجة عن عدم وجود احتواء من الأهل أو زيادة الانفتاح على معارف خارج المدرسة والأسرة والتي تصل إلى عقل الطفل عبر وسائل الإعلام الإلكترونية. وبينت الهدهود أن «هناك مشكلة في الإدراك لدى الأطفال حيث قد تكون انفعالاتهم خاطئة».
وفي هذا الصدد بينت أن «المعالجين النفسيين في وزارة التربية يقومون بجهود من أجل تصحيح الإدراك لدى بعض الأطفال من خلال خطة علاجية متكاملة للأسرة دور كبير في نجاحها».
وذكرت الهدهود أن «بعض الأطفال يجنحون إلى الصمت الاختياري في المدرسة، أي لا يتكلمون ولا يشاركون في الحصص التربوية في الفصل»، مرجعة ذلك إلى «ارتفاع نسبة القلق والخوف أو لتعرض بعض الأطفال لموقف سلبي أو صدمة نفسية. وكلها قد تكون أشكال مختلفة من الاكتئاب أو الاضطرابات النفسية».

518625_256138_Org_1_-_Qu65_RT728x0-_OS1600x898-_RD728x408-

مرض هرموني قد يدفع الأطفال إلى الانتحار
ليس كل دافع لإقبال بعض الأطفال على فكرة الانتحار، نفسياً، فقد تكون هناك أسباب عضوية قد تغفل الأسرة عن تشخيصها، حيث كشفت دراسة للمعهد الوطني «يونيس كينيدي شرايفر» – من المعاهد الأميركية لصحة الطفل والتنمية البشرية – أن «الأطفال الذين يعانون من متلازمة كوشينغ، وهو مرض اضطراب غذائي ناجم عن ارتفاع مستويات الكورتيزول – هرمون التوتر، قد يكونون أكثر عرضة للانتحار، وكذلك للاكتئاب والقلق وغيرها من الظروف الصحية العقلية لفترة طويلة».
وحسب الدراسة، فقد يكون سبب متلازمة كوشينغ من أورام الغدد الكظرية أو أجزاء أخرى من الجسم التي تنتج زيادة إفراز الكورتيزول. كما قد يكون ناجماً عن ورم الغدة النخامية الذي يحفز الغدد الكظرية لإنتاج مستويات الكورتيزول المرتفعة.
وعادة ما ينطوي العلاج على وقف إنتاج هرمون الكورتيزول الزائد عن طريق إزالة الورم، وتزيد أعراض هذا الخلل الهرموني لدى الأطفال أصحاب الوجوه مستديرة الشكل، أو الذين يعانون من السمنة المفرطة، ولديهم معدل تباطؤ النمو، ومن يعانون من زيادة وزن الجزء العلوي من الجسم، أو من تظهر على جلدهم كدمات.