Beirut weather 14.67 ° C
تاريخ النشر November 21, 2020 05:37
A A A
لماذا تراجع زخم انطلاقة تأليف الحكومة وما هي حسابات الحريري؟
الكاتب: محمد بلوط - الديار

ثمة اسئلة عديدة مطروحة حول الاسباب التي جعلت زخم الرئيس سعد الحريري يتراجع عن ذلك الذي سجل مع بداية تكليفه حين وعد بالعمل على تأليف الحكومة بسرعة قياسية مشيرا الى اسبوعين (اكثر او اقل قليلا المهم الاسراع في الولادة للخلاص).
بدا الحريري في البداية متفائلا كأنه يستند الى اوراق خارجية ومحلية حفّزته اولا على ترشيح نفسه واوحت له ان مهمته لن تكون صعبة كما ظهر لاحقا.
لكن هذا التفاؤل اخذ يتراجع تدريجا بعد اصطدام عملية التأليف بالعقبات والاجواء الخارجية والداخلية التي يعرفها الجميع اليوم.
كان كلما يصعد الحريري الى بعبدا ويجتمع مع رئيس الجمهورية للتشاور في اطار عملية التأليف، تصدر وتسرب اجواء عام ايجابية من بعبدا وبيت الوسط، وكان الجميع حتى ان المتشائمين يتوقعون الولادة في اي لحظة . لا بل ان الرئيس بري بدا منذ اسبوعين او اكثر متفائلا بمسار الامور لكنه سرعان ما شعر بمرارة عندما تبخر معظم ما قطعته العملية في البداية ، وها هو اليوم يعبر عن هذه الخيبة بعبارة استقلالية مقتضبة على طريقته « بدأ الاستقلال بالحكومة..فأين نحن؟».
بعد الترشيح والتكليف اعتقد البعض ان الحريري قادم بدعم خارجي متجدد والا لما كان اقدم على مثل هذه الخطوة غير الموثوقة ان لم نقل المغامرة، وراهنوا على انفراج سريع طالما رضيت الولايات المتحدة بترشحه وطالما انه يحظى بدعم فرنسا والاتحاد الاوروبي عموما. وذهب البعض الى الاعتقاد بان السعودية ودول الخليج لا تمانع خوضه غمار هذه المهمة لا بل ان بعضها يشجعه كالامارات العربية المتحدة.
واعتقد هؤلاء ايضا ان الحريري قادر بالغطاء الداخلي وبالحيثية السياسية والشعبية والشخصية التي يملكها ان يتحرر من بعض التعقيدات والعقبات التي ادت الى فشل تجربة السفير مصطفى اديب.
لكن ماذا حصل لاحقا؟
اظهرت التجربة والوقائع ان الولايات المتحدة الاميركية وادارتها الحالية بقيت مع الحريري تمارس السياسة نفسها التي اعتمدتها مع اديب وهي محاربة واعاقة تأليف اي حكومة يشارك فيها حزب الله او يحظى فيها وحلفاؤه بتمثيل قوي او مؤثر، واعتمدت وتعتمد في سياستها هذه على سلاح العقوبات والضغط المباشر على الحريري وبعض الاطراف.
اما دول الخليج وفي مقدمهم السعودية فانها نأت بنفسها عن تقديم اي عون للحريري بل بقيت الرياض تسعى قدر المستطاع الى استبعاد حزب الله من اية تشكيلة كشرط اساسي لتعديل موقفها ايجابا ، وانصرفت دول اخرى لا سيما الامارات العربية الى اولوياتها الاخرى وانشغلت بخطوتها غير المسبوقة المتمثلة بالتطبيع مع اسرائيل وملحقات واهداف هذا المسار الجديد .
وبقيت فرنسا والدول الاوروبية عموما على موقفها الداعم للحريري من اجل تشكيل الحكومة بفترة قصيرة لا تزيد على الاسابيع القليلة منذ التكليف ،آخذة بعين الاعتبار المجيء بحكومة اصلاحية غير حزبية تحظى باوسع دعم داخلي ممكن وترضي او لا تستفز المجتمع الدولي لكي تؤمن الثقة الخارجية الممكنة التي توفر تقديم الدعم والمساعدات للبنان.
ويقول مصدر سياسي مطلع ان الحريري اخذ منذ البداية كل هذه العوامل بعين الاعتبار، وكان يراهن وما زال على الملاءمة بين تأمين الحد المقبول من الغطاء الخارجي وتوفير القدر الكافي من الدعم الداخلي لتشكيلته الحكومية. لكنه فوجىء لاحقا بدرجة تشدد مرتفعة غير محسوبة من قبل ادارة الرئيس ترامب وبتجاهل خليجي وبصعوبات داخلية ناجمة عن اختلاف تصوره لطريقة وتشكيلة الحكومة مع تصور اطراف سياسية اخرى لا سيما التيار الوطني الحر المحظي برعاية مباشرة من رئيس الجمهورية وقوته وصلاحيته في تاليف الحكومة واصدار مراسيمها.
وبرأي المصدر ان الايجابيات الباقية حت الآن في مسار الحكومة الشائك هي:
– عدم توقف حركة الاجتماعات والتشاور بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية رغم الاجواء السلبية التي خيمت على الاجتماع الاخير .
– استمرار الحريري في خوض غمار هذه المهمة الصعبة وعدم جنوحه بعد الى خيار الاعتذار .
– حرص رئيس الجمهورية على استمرار الحوار مع الرئيس المكلف كخيار افضل من اي خيار آخر لان البلاد لم تعد تحتمل تجربة اخرى للتكليف والتأليف.
– استمرار فرنسا المضي في مبادرتها رغم الصعوبات والتشويش عليها من قبل جهات خارجية مؤثرة لا سيما الادارة الاميركية والتجاذبات والمماحكات بين الاطراف اللبنانية .
لكن السؤال الى متى يحتمل الوضع اللبناني المتدهور والمنزلق الى الهاوية المزيد من هدر الوقت والانتظار من دون حكومة جديدة؟
برأي المصدر ان الوقت ليس لصالح احد وان هناك حاجة ملحة لكي يعدل الاطراف اللبنانيون مواقفهم اخذين بعين الاعتبار كل هذه العوامل وكذلك النتائج الكارثية التي ستنجم عن استمرار الازمة ويسارعوا الى تنازلات متبادلة تتجاوز توزيع الحصص واختيار الاسماء الى توحيد او تحسين الموقف الداخلي في وجه الضغوط الداخلية التي يبدو انها ستبقى بوتيرة متزايدة على الاقل في ظل الفترة الباقية من عهد ترامب وادارته.
ولا يشارك المصدر البعض الداعي الى تعويم الحكومة المستقيلة لاعتبارات عديدة اهمها الاسباب والنتائج التي ادت الى فشل وسقوط هذه الحكومة من الداخل والخارج والتي ما زالت مستمرة ، والتباينات التي توسعت داخلها قبل وبعد الاستقالة، بالاضافة الى ضعف الغطاء الداخلي والخارجي الذي تآكل الى ان وصل الى حدود يصعب استمرارها. لكن هذا لا يعني تخليها عن مسؤولياتها او تراجع ادائها حتى في اطار تصريف الاعمال بانتظار الحكومة الجديدة.