Beirut weather 14.18 ° C
تاريخ النشر November 19, 2020 08:32
A A A
هكذا يهدد “كوفيد-19” الشعوب الأصلية في القارة الأميركية وشتى أنحاء العالم
الكاتب: عربي بوست

اسمه إلييزر بوروبورو، وهو أحد آخر الأشخاص الذين يتحدثون لغة بوروبورا في البرازيل، وعندما توفي بسبب فيروس كورونا، أضعفت وفاته عن عمر يناهز 92 عاماً فرص استمرار لغة شعبه الأصلية، بل ربما ثقافة بأكملها.

ويوماً بعد يوم تظهر آثار وتداعيات فيروس كورونا التي قلبت الكرة الأرضية رأساً على عقب، فما نجا منه سكان أكثر مدينة اكتظاظاً ولا من يعيشون في قرى بعيدة ومنعزلة في دولة مثل البرازيل.

الشعوب الأصلية، التي يشار إليها أيضاً باسم الشعوب الأولى، هي مجموعات عرقية تنتمي إلى مكان معين على الأرض وعاشت في علاقة مترابطة مع البيئة الطبيعية لعدة أجيال قبل وصول الشعوب غير الأصلية؛ وفي هذه الحالة سكان أميركا الوسطى والشمالية والجنوبية قبل وصول المستعمر الأوروبي.

وتعرضت لغات الشعوب الأصلية في البرازيل للتهديد منذ وصول الأوروبيين. إذ إن نحو 181 لغة من أصل 1500 كانت موجودة في السابق، لا يزال يتحدث بها أقل من ألف شخص في الغالب.

تمكنت بعض مجموعات السكان الأصليين، خاصةً تلك التي تضم عدداً أكبر من السكان، مثل Guarani Mbya، من الحفاظ على لغتهم الأم. لكن لغات المجموعات الأصغر، مثل Puruborá، التي يبلغ عددها الآن 220 فقط، على وشك الانقراض.

 

 

الشعوب الأصلية تحت رحم كورونا
وأدى الوباء إلى جعل هذا الوضع الهش أسوأ، إذ تشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 39 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا بين البرازيليين الأصليين، من ضمنهم 6 حالات بين بوروبورا، وما يصل إلى 877 حالة وفاة.

يودي فيروس كورونا بحياة كبار السن مثل إلييزر، الذين غالباً ما يكونون هم آخر حماة اللغة.

يفرض فيروس كورونا أيضاً العزلة على أفراد المجتمع، فيمنع الأحداث الثقافية التي تُبقي اللغات حية، ويقوض التقدم البطيء لحمايتها ومشاركتها.

بالنسبة لشعب بوروبورا، شهد الحفاظ على لغتهم وثقافتهم صراعاً طويلاً.

منذ أكثر من قرن مضى، وصل جامعو المطاط الذين يعملون تحت رعاية خدمات الحماية الهندية، وهي وكالة اتحادية تدير شؤون السكان الأصليين، إلى أراضيهم في ولاية روندونيا الأمازونية.

وضعوا رجالاً وفتياناً من السكان الأصليين، وضمن ذلك إلييزر، للعمل في جمع مادة اللاتكس من أشجار المطاط، ووزعوا النساء والفتيات على جامعي المطاط من غير السكان الأصليين كجوائز.

كانت البرتغالية هي اللغة الوحيدة المسموح بها للتواصل.

 

 

المستعمر منع تلك اللغات
تقول هوزانا بوروبورا، التي أصبحت زعيمة بوروبورا بعد وفاة والدتها إميليا، لموقع مجلة National Geographic: “كان كل ما يتعلق بثقافتنا محظوراً”.

كانت إميليا ابنة عم إلييزر، عندما كانا طفلين يتيمين، تهامسا لبعضهما البعض في بوروبورا عندما لم يسمعهما أحد؛ فأبقيا لغتهما حية “في الخفاء”.

ثم في عام 1949، أعلنت خدمات الحماية الهندية أنه لم يعد هناك سكان أصليون في المنطقة، لأنهم كانوا “مختلطين” و”متحضرين” رسمياً، فشارفت لغة بوروبورا أو Puruborá الاندثار.

لكن البعض تمكن من شراء أراضٍ بعيدة نتيجة زراعة الصويا والماشية، فأسسوا قرية صغيرة عاش ألييزر فيها مع ابنته.

ثم أنعش هذه المحاولة باحثٌ في علوم اللغة يُدعى إميليو جولدي، أراد أن يضع أرشيفاً لهذه اللغات النادرة، فوجد ألييزر وابنة عمه و9 من كبار السن فقط يتحدثون هذه اللغة.

جمعهم معاً للتحدث، فكانوا يرتدون سماعات الرأس ويتحدثون في الميكروفونات، وتم تسجيل كل ما قالوه لإنشاء أرشيف صوتي بلغتهم.

في البداية، كان بإمكانهم فقط تذكُّر حفنة من الكلمات، كأسماء الحيوانات. كانت القواعد النحوية وبناء الجملة أمراً صعباً، لكن كلما تحدثوا مع بعضهم البعض، تذكروا.

ومن أجل الحفاظ على سلامة هؤلاء المسنين وحماة اللغة الأحياء، يبذل مجتمعهم جهداً كببيراً لمنع إصابتهم بفيروس كورونا.

ألغوا العديد من الفعاليات ومنعوا زيارتهم، وأجلوا مهرجاناً سنوياً حيث تتم رواية القصص وترديد الأغاني وتنظيم المسابقات اللغوية لتشجيع الأطفال والكبار على التمسك بما يعرفونه من لغتهم الأصلية.

يقول القائد المحلي للقبيلة أنتوني كاراي: “عندما تتعلم لغة، لا يُنصر الأمر باللغة فقط، عليك أن تتعلم الثقافة”، وكذلك الأمر إذا ما خسرت لغة ما، فتكون خسرت معها ثقافة عريقة عن بكرة أبيها، وهذا ما يؤرق علماء اللغة.

 

 

الأمم المتحدة تحذر
هذا التهديد الثقافي دفع الأمم المتحدة إلى توجيه رسالة تحذيرية إلى الدول، لحماية مجتمعاتها الأصلية من الفيروس الذي ألمَّ بالكرة الأرضية وأصبحت المجتمعات الضعيفة أكثر مواقع انتشاره خطراً لعدة عوامل.

وجاء في تقرير الأمم المتحدة:

“يشكل وباء فيروس كورونا تهديداً صحياً خطيراً للشعوب الأصلية في جميع أنحاء العالم.

تعاني مجتمعات السكان الأصليين بالفعل من ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، ومعدلات أعلى بكثير من الأمراض المعدية وغير المعدية، ونقص الوصول إلى الخدمات الأساسية والصرف الصحي وغيرها من التدابير الوقائية الرئيسية، مثل المياه النظيفة والصابون والمطهرات إلخ.

غالباً ما تكون المرافق الطبية المحلية، إن وُجدت، غير مجهزة وعدد العاملين فيها قليل.

حتى عندما تكون الشعوب الأصلية قادرة على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، فإنها يمكن أن تواجه تمييزاً عنصرياً.

ويتمثل أحد العوامل الرئيسية في ضمان توفير هذه الخدمات والمرافق بلغات السكان الأصليين، وبما يتناسب مع الحالة الخاصة للشعوب الأصلية”.