Beirut weather 10.3 ° C
تاريخ النشر April 17, 2016 04:00
A A A
كيف بنى داعش آلة الرعب تحت الأنظار الأوروبية
الكاتب: نيويورك تايمز

مخطّطات إرهابية استمرّت سنوات… كيف بنى داعش آلة الرعب تحت الأنظار الأوروبية
*

كتبت صحيفة «» الأميركية:
بعد التحاقه بتنظيم «داعش»، غادر الفرنسي رضا حمي البالغ من العمر 29 سنة، ويحمل شهادة متخصّص في هندسة الكومبيوتر، ويقيم في باريس، غادر إلى سورية، حيث تلقّى تعليمات بالعودة إلى فرنسا لتنفيذ عمليات إرهابية فيها. جواز سفره الفرنسي وخلفيته العلمية في مجال تكنولوجيا المعلومات، جعلاه مثالياً بالنسبة إلى تنظيم «داعش»، فخلال بضعة أيام فقط، نُقل إلى حديقة لتعلّم كيفية إطلاق النار من بندقية يدوية، فضلاً عن خضوعه لدورة تدريبية لتعلّم استخدام برامج التشفير، بهدف إخفاء اتصالاته مع عناصر التنظيم. اقتيد رضا حمي إلى الحدود التركية، حيث طلب منه قائد المجموعة الإرهابية الملقب بـ«الأب»، اختيار أهداف سهلة، كمثل إطلاق النار على المدنيين واحتجاز رهائن، إلى أن يُقتل. وأرسل رضا حمي من قبل هيئة صغيرة داخل تنظيم «داعش»، متخصّصة في التخطيط لتنفيذ ضربات في أوروبا، قبل سنتين على الأقل من الهجمات القاتلة، التي أصابت باريس وبروكسل في الصميم.

اختبار فاعلية الأجهزة الأمنية
وكان «داعش» قد أرسل قبل ذلك الوقت، مجموعة صغيرة من العناصر المدرّبين في سورية، بهدف تنفيذ هجمات صغيرة، تهدف إلى اختبار مدى فاعلية الأجهزة الأمنية في أوروبا، وفقاً لما ورد في محاضر الاستجواب وسجلات التنصّت على المكالمات الهاتفية الأوروبية التي حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» من محاضر المحكمة. ويقول مسؤولون غربيون إن بوادر آلة الإرهاب كانت قابلة للتلمّس والقراءة في أوروبا خلال وقت مبكر من عام 2014، غير أن السلطات المحليّة تجاهلت مراراً وتكراراً كل تلك الدلائل المتلاحقة، واصفةً إياها بأنها أفعال فردية أو عشوائية. فها هو رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأميركية السابق، الجنرال المتقاعد مايكل تي فلين يقول: «هذه الهجمات لم تخطّط خلال الأشهر الستة الأخيرة، بل بدأ التخطيط لها منذ انتقال التنظيم إلى سورية عام 2012».

وكان قد ألقي القبض على رضا حمي في باريس في آب الماضي، قبل أن يتمكن من تنفيذ مخططه الإرهابي. ورضا هذا، يُعتبر واحداً من بين 21 عنصراً مدرّبين، نجحوا بالتسلل مرة أخرى إلى أوروبا، ومن يطّلع على سجلات استجوابهم، يفتح لنفسه نافذة على تاريخ نشأة «داعش» وتطوّر القوة الميدانية والفكرية، للتنظيم المسؤول عن مقتل مئات الأشخاص حول العالم. ويضيف مسؤولون متابعون: «تُصنع الهجمات ويُخطّط لها في هذا الفرع من التنظيم»، مشيرين إلى أن رضا حذّرهم بعد اعتقاله من أن المتطرّفين قد يركّزون كلّ جهودهم على ضرب فرنسا، وإن عجزوا عن ذلك فسيتجهون ناحية أوروبا. واستطاع تنظيم «داعش» بين عامَي 2012 و2013، ترسيخ وجوده في سورية، واستقطاب عدد كبير من المتطرّفين الأجانب، خصوصاً الأوروبيين، فيما واصل صنّاع السياسة في الولايات المتحدة وأوروبا اعتباره فرعاً ضعيفاً من تنظيم «القاعدة»، يحاول الوصول إلى سدّة الحكم.

فشل الاستخبارات
وكانت الشرطة في كل من إيطاليا، إسبانيا، بلجيكا، فرنسا، اليونان، تركيا ولبنان، قد أفشلت مخططات لمهاجمة مصالح يهودية ومراكز للشرطة ومواكب الكرنفال، كما تمكنت من السيطرة على بعض المتطرّفين ممن تعمّدوا إطلاق النار على عربات القطار وتجمعات للكنائس. وكان هؤلاء يحملون أسلحة الآلية وأجهزة اتصال لاسلكية وهواتف محمولة يمكن التخلّص منها، فضلاً عن مواد «TATB» الكيماوية، المعدّة لصناعة متفجّرات. وفشلت معظم تلك المخططات، إلا أن المسؤولين في تلك الدول، فشلوا أيضاً في القبض على الإرهابيين، أو على الأقلّ إعلام زملائهم في الدول الأخرى بمخطّطات التنظيم. فعلى سبيل المثال، عاد أحد مجنّدي «داعش» من سورية عبر فرانكفورت إلى بروكسل، حيث فتح النار في 24 أيار 2014، داخل المتحف اليهودي في بلجيكا، ما أسفر عن مقتل 4 أشخاص، ورغم العثور على شريط فيديو يظهر الأسلحة المستخدمة في العملية إلى جانب علَم «داعش»، بيد أن السلطات البلجيكية نفت الصلة المباشرة للمنفّذ بالتنظيم. أحد الأسماء الرئيسة التنظيمية لـ«داعش»، بدأ يظهر في كل تحقيق: عبد الحميد أباعود، وهو مواطن بلجيكي، يؤكد مسؤولو مكافحة الإرهاب إنه ارتقى في صفوف التنظيم ليصبح العقل المدبّر لعمليات «داعش» الخارجية.

أوروبا تصمّ آذانها
يقول محلّل في جهاز مكافحة الإرهاب لشركة «كرونوس» الاستشارية، مايكل إس سميث: «كانت الإشارات كلها موجودة منذ عام 2013، لكن أوروبا ـ وللأسف ـ صمّت آذانها عن تطلّعات داعش الإرهابية منذ منتصف 2014، إلى أن أصبح التسلسل الهرمي لمخططات التنظيم الإرهابي واضحاً وصريحاً». ففي 22 حزيران من تلك السنة، قال المواطن فرنسي فايز بشرى 24 سنة ، والذي تدرّب في سورية، ونجح في الهرب إلى لبنان المجاور، أنه كان يخطّط لتفجير نفسه في أهداف شيعية، وأثناء الاستجواب اعترف أن الرجل الذي أمره بتنفيذ العملية هو أبو محمد العدناني. والعدناني، هو المتحدّث الرسمي بِاسم «داعش» وأحد أبرز أعضاء التنظيم المطلوبين دولياً، وأوضح المدير السابق للمركز القومي الأميركي لمكافحة الإرهاب ماثيو جي أولسن، أن العدناني هو الذي يقود عمليات «داعش» الخارجية. وأوضح مسؤولون في الاستخبارات الأميركية والأوروبية، بعض الخطوط العرضية لوحدة عمليات التنظيم الخارجية، وهي عبارة عن هيئة منفصلة داخل «داعش»، تحت قيادة العدناني وسيطرته، الذي يقدّم تقاريره إلى زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي.

a7a496385da5dced562572b4faa9228b

تدريب وإعداد
حُدّدت من قبل التنظيم، وحدة المجنّدين، المسؤولة عن تدريب المقاتلين وتوفير الأسلحة والعتاد لهم، ورغم أن التركيز الرئيس للوحدة كان يستهدف أوروبا، إلا أن هجمات «داعش» كانت أكثر فتكاً خارج حدود الاتحاد، إذ قتل 650 شخصاً على الأقل في هجمات على مواقع يرتادها غربيون، بما في ذلك تركيا ومصر وتونس. وضمن تسلسل التنظيم الهرمي، كُلّف أباعود بمهمة الإشراف على هجمات أوروبا، وفقاً لتقرير للشرطة الفرنسية وأجهزة الاستخبارات. وصرّح الجهادي الفرنسي الذي اعتقل السنة الماضية نيكولا مورو، أن أباعود المعروف بِاسم أبو عمر، كان القائد الرئيس لهجمات في أوروبا، وأضاف أنه كان مسؤولاً عن فحص طلبات المرشحين للهجمات المستقبلية، وفقاً لتقرير صادر عن هيئة مكافحة الإرهاب الفرنسية. ولعل انخفاض حدّة هذه الهجمات وقلّة تعداد الضحايا، إضافة إلى التاريخ الأمراض النفسية والعقلية للجناة، هو الذي حدا بالمحلّلين والمسؤولين إلى الاستنتاج أن «داعش» لا يزال في المرتبة الثانية بفارق عن تنظيم «القاعدة» في قدرته على تنفيذ هجمات على الأراضي الغربية.

استراتيجية «القاعدة»
ويعتقد الخبراء أن «داعش» كان يعتمد في ذلك الوقت، الاستراتيجية التي طرحها قائد العمليات السابق لتنظيم «القاعدة»، الذي ذكر أن العمليات الخارجية الكبيرة بحجم هجمات 9/11 قد انتهت إلى غير رجعة، وأنه من الأفضل اعتماد نهج المؤامرات الصغيرة ومتوسطة الحجم، واستخدام الدعاية لهجمات موجهة ذاتياً من قبل أنصار التنظيم في الخارج. في أوائل عام 2015، كان العاملون في فرع عمليات «داعش» الخارجية، يقضون أيامهم داخل مقاهي الإنترنت في سورية لضخّ دعاية التنظيم، التي تحضّ على تنفيذ هجمات فردية، فضلاً عن جذب مجنّدين جدد.

ابتلاع الطعم
ومن بين الأشخاص الذين تناولوا الطعم كان رضا حمي، الذي اعترف للمحققين في وقت لاحق، أنه انضم أملاً في القتال لإسقاط الرئيس بشار الأسد في سورية، وبدلاً من ذلك، فإنه لدى وصوله إلى سورية في حزيران 2015، سيق مباشرة إلى خطوط المواجهة الحدودية الخارجية لدى «داعش». وخلال المقابلة معه في الرقّة، أعرب قائد «داعش» عن ارتياحه لخلفية رضا في مجال التكنولوجيا، وبعد أيام وضعه في السرير داخل شاحنة صغيرة تحت غطاء مع قماش القنب، محذّراً إياه من مغبّة الهرب. وأضاف رضا: «توجهنا بسرعة عالية، وعندما توقفت الشاحنة، نزلنا أمام سيارة رياضية نوافذها سوداء للتعتيم على ركابها، وعندما فتحت باب المقعد الخلفي، سمعت رجلاً يتحدث الفرنسية ويأمرني بالجلوس في المقعد الأمامي».

كيف بنى داعش آلة الرعب تحت الأنظار الأوروبية
جلس المهندس المستقبلي لهجمات باريس إلى جانب السائق الذي كان حينذاك أباعود، وتابع يقول: «توجهنا إلى الريف السوري، وهناك أوضح لي أباعود أنني إذا واجهت أعداء الإسلام وحدي، فإنني سأتلقى مكافأة مضاعفة في السماء». وقال رضا للمحققين: «سألني أباعود إذا كنت أرغب بالذهاب إلى الخارج، قال تخيل أنك في حفل لموسيقى الروك داخل بلد أوروبي، إذا أعطيت سلاحاً، هل ستكون مستعداً لفتح النار على الحشد؟ وعندما كرّرت له أني أرغب في محاربة حكومة الأسد بدلاً من ذلك، ظهرت عليه علامات الغضب، ثم قال لي إذا نظرت إلى المصابين في الحرب، والى المباني التي تدمّرت، فستدرك كم أنت محظوظ لإرسالك إلى فرنسا بدلاً من البقاء للقتال هنا». وقال رضا: «عندما عاد أباعود في اليوم التالي، قال لي إنه سيشرح المهمة الموكلة إليّ، وإنه لم يعد هناك الوقت الكافي للانتظار، وكان ينتظر فقط موافقة الأمير». وروى رضا قصة رحلة التدريبات الشاقة التي ينفّذها عناصر «داعش» داخل إحدى المزارع في الرقة، مشيراً إلى أن أباعود أشرف بنفسه على تدريب جميع منفّذي هجمات باريس.
وما لبث أن استُبعِد رضا من التدريب بعد أقل من ثلاثة أيام، ليوضع داخل شقة في الرقة بدت كأنها مخصّصة لعناصر العمليات الخارجية، حيث أُبلغ بقرار إعادته إلى أوروبا في اليوم عينه. وبدأت المرحلة النهائية من تدريبه على برامج التشفير في مقهى للإنترنت في الرقة، وعملوا على إقناعه بأن طريق عودته إلى باريس، ستكون أشبه بإجازة، وذلك عبر السفر إلى اسطنبول وقضاء بضعة أيام في المناطق السياحية حول ساحة تقسيم. لكن أحد شركائه في التدريب اختار الذهاب إلى إسبانيا، حيث خضع للاستجواب، وكشف عن خطة رضا، وبعد إخطار الحكومة الفرنسية، تتبعت الشرطة رضا إلى شقة والدته في باريس، حيث عثروا على «يو إس بي» تعود لـ«داعش» وبرامج تشفير البيانات، وبدأ التحقيق معه في آب الماضي، أي قبل ثلاثة أشهر من أسوأ هجوم إرهابي في التاريخ الفرنسي الحديث.

فشل واضح
كان رضا ـ من نواحٍ عدّة ـ يمثل فشلاً واضحاً في اختيار عناصر التنظيم، إذ وافق على التعاون مع المحققين، وأكد أن المجموعة كانت عازمة على تنفيذ هجمات عدّة في أوروبا، ومن ضمنها التخطيط لمهاجمة حفل موسيقي هناك. وشدّد رضا على أنه لا يعرف أسماء العناصر الذين التقى بهم أو حتى جنسياتهم، لاستخدامهم أسماءهم المستعارة.

قدرة متنامية
وبحسب تقرير «نيويورك تايمز»، فمن بين أقوى المؤشرات على قدرة «داعش» المتنامية للهجمات الإرهابية، هو التقدّم في صنع ونشر القنابل التي تحتوي على «أو وات»، وقد عُثر على مسحوق أبيض في الأحزمة الناسفة لمهاجمي باريس، وفي حقائب أخرى لمفجّري بروكسل. وقبل «داعش»، سعى تنظيم «القاعدة» مراراً إلى نشر قنابل «TATB»، ابتداء من عام 2001، وذلك عندما حاول ريتشارد ريد تدمير رحلة الخطوط الجوية الأميركية عن طريق إدخال هذه المادة على متن الطائرة في نعل حذائه، غير أن الهجوم أحبط آنذاك، عندما فشل في إشعال الفتيل. وأصبحت «TATB» تشكل المادّة الرئيسة للإرهابيين، بسبب سهولة إشعالها بمواد مثل الأسيتون وبيروكسيد الهيدروجين، والتي يمكن العثور عليها في السلع المنزلية الشائعة، كمزيل طلاء الأظافر ومواد تبييض الشعر. وقال قاضي مكافحة الإرهاب في فرنسا، مارك تروفيديك الذي استجوب رضا حمي: «رغم كل جهودنا ومعلوماتنا، فقد فشلنا بمنع تسلّلهم، كانوا أشبه بستارة من الدخان، من الواضح أننا سمحنا لهم بالدخول إلينا بكلّ بهدوء».
***

ترجمة: ل. ز. – البناء