Beirut weather 27.34 ° C
تاريخ النشر September 13, 2020 06:34
A A A
بـيـن أميركا وفرنسا تنسيـق لكــنّــه «غير تــــام»
الكاتب: دوللي بشعلاني - الديار

بات واضحاً أنّ التنسيق بين باريس وواشنطن قائم على دفع الوضع اللبناني الحالي الى الأمام من خلال تشكيل حكومة إنقاذية بحسب ما جاء في المبادرة الفرنسية التي تُعتبر الفرصة الأخيرة أمام لبنان للنهوض من أزماته، وذلك قبل انقضاء فترة الـ 15 يوماً التي تنتهي يوم الثلاثاء المقبل في 15 أيلول الجاري. على أن تقوم الحكومة بمهمّة محدّدة هي تحقيق الإصلاحات سريعاً واتخاذ الإجراءات المناسبة لوضع حدّ للهدر والفساد وإنقاذ الوضع المالي والإقتصادي العام المتدهور في لبنان.

غير أنّ واشنطن التي تؤيّد وتدعم المبادرة الفرنسية لا تتبنّاها بالمطلق، على ما يقول مصدر ديبلوماسي عليم، كما أنّ باريس لا تُوافق حليفتها على أمور عدّة تتعلّق بفرض العقوبات الأميركية الإقتصادية على إيران من جهة، كما على جهات لبنانية معيّنة من جهة أخرى، كون فرنسا تواصل علاقاتها ومشاريعها الإستثمارية مع إيران في مجال النفط وسواه، ولا تودّ بالتالي أن يكون الضغط بالتلويح بالعقوبات عاملاً أساسياً لتسهيل تشكيل الحكومة، إنّما التوافق بين المسؤولين اللبنانيين. ولهذا، فإنّ أداء كلّ من الدولتين يختلف في لبنان، وإن كان الهدف حثّ المسؤولين اللبنانيين على تطبيق الإصلاحات التي يُطالبهم بها الشعب اللبناني من جهة، والمجتمع الدولي من جهة ثانية.

ويؤكّد أنّ فرض وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس ووزير المال السابق علي حسن خليل هي خطوة ضغط اعتمدتها الولايات المتحدة لتسهيل تشكيل الحكومة الجديدة، بعد ان واجه الرئيس المكلّف مصطفى أديب عراقيل عدّة منذ تكليفه عملية التأليف. فما جرى التداول به من المداورة، الى حكومة من 24 وزيراً بدلاً من حكومة مصغّرة، الى تقاسم الحقائب الوزارية، وصولاً الى المطالبة بوزراء إختصاصيين مطعّمين بالسياسيين أو تابعين للأحزاب السياسية وما الى ذلك، كلّها شروط أعاقت ولادة الحكومة المنتظرة خلال الأيام الماضية. ولهذا تدخّلت واشنطن ففرضت العقوبات على فنيانوس وخليل، وكان الرئيس ماكرون قد لوّح خلال زيارته الثانية والأخيرة الى لبنان بأنّ عدم قيام المسؤولين بما هو مطلوب منهم أو فشلهم أو تقاعسهم سيُعرّض لبنان للعقوبات و«لنفض» يد المجتمع الدولي بالتالي من مساعدته ودعمه، وإن لم يكن هذا ما يتمنّاه، لكي لا يُقال إنّه فشل في مهمّة «إنقاذ لبنان».

وبرأي المصدر نفسه انّ العقوبات قد تتوسّع لتشمل شخصيات لبنانية أخرى لاحقاً في حال بقيت مطالب وشروط تشكيل الحكومة على حالها، ولم يقم المسؤولون بتغيير أدائهم والتنازل عن مطالبهم لتسهيل عملية التأليف. علماً بأنّه حتى الساعة لم يقدّم الرئيس المكلّف مصطفى أديب أي تشكيلة حكومية أولية لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون خلال الزيارتين اللتين قام بهما الى قصر بعبدا منذ ما بعد التكليف. ويتوقّع رغم ذلك أن يشهد اليومان المقبلان تطوّراً سريعاً على صعيد المشاورات السياسية، وإن كانت لم تظهر بعد أي بوادر للتسوية أو للتوافق بين المكوّنات المتنازعة.

وذكّر بأنّ الرئيس الفرنسي قد رفض خوض السياسيين في العناوين الخلافية، كون هذه المسألة قد تعيق ولادة الحكومة، ولهذا أصرّ على ترحيلها الى فترة لاحقة، والإنطلاق من القواسم المشتركة للوصول الى إنقاذ الوضع النقدي والإقتصادي والمعيشي والإجتماعي أولاً. ولم تُوافقه الولايات المتحدة على هذا الأمر وخصوصاً أنّها كانت تودّ جلوس القادة الى طاولة الحوار ومناقشة موضوع الاستراتيجية الدفاعية قبل أي شيء آخر، كونها تريد طمأنة حليفها في المنطقة أي العدو الإسرائيلي والمحافظة على أمن مستوطناته.

وقال المصدر ذاته إنّ ماكرون تصرّف بشكل جيّد مع الجميع إذ دعم بقاء العهد للفترة المتبقيّة من دون أن يتعرّض للزعزعة من قبل الشارع أو سواه، وأعاد لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري موقعه السنّي من خلال موافقة غالبية الكتل النيابية على تبنّي الاسم الذي اقترحه وتيّاره السياسي للتكليف. كذلك حيّد «حزب الله» وسلاحه عن أي نقاش حالي من خلال ترحيل عنوان «الاستراتيجية الدفاعية» الخلافي الى مرحلة لاحقة، كما أرضى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بعدم الموافقة على الدعوة لانتخابات نيابية مبكرة قد تُطيح الكتل النيابية التقليدية.

ولم يشأ الرئيس ماكرون فرض حكومة جديدة على المسؤولين أو تسمية وزرائها، على ما أوضح المصدر نفسه، لكيلا يُعتبر هذا الأمر تدخّلاً في الشؤون الداخلية لبلد ديموقراطي حرّ ويتمتّع بالسيادة والإستقلال. وقد قال شخصياً للمطالبين بعودة الإنتداب الفرنسي الى لبنان لردع المسؤولين، إنه من غير الممكن القيام بهذا الأمر في بلدٍ «غير قاصر» مثل لبنان يتمتّع بالحريّة وبالسيادة الكاملة. وإذ طالب المسؤولين اللبنانيين في الوقت نفسه بأن يُساعدوا أنفسهم لكي يحظوا بمساعدة المجتمع الدولي لهم، فإنّه كان ينتظر أموراً ملموسة منذ تكليف أديب تشكيل الحكومة، غير أنّ الأصداء عن المشاورات التي وصلته لم تكن إيجابية. وكان ماكرون أوضح لجميع القيادات أو ممثّليهم أنّهم في حال رفضوا تحمّل المسؤولية ولم يقوموا بالتالي بالمهام المطلوبة منهم، فسوف يُعرّضون بلادهم للإنهيار الكامل مع عدم إبداء المجتمع الدولي أي اهتمام بتقديم الدعم للبنان على جميع المستويات. وقد ظهرت أولى عواقب فشل المسؤولين من خلال إعلان فرض العقوبات على فنيانوس وخليل والحديث عن أنّها ستُستكمل في وقت لاحق لتشمل شخصيات بارزة أيضاً.

وتساءل المصدر الديبلوماسي عمّا إذا كان المسؤولون يعون اليوم خطورة الوضع الآيل الى الإنحدار بسرعة قصوى نحو الإنهيار، ومساوىء بقاء كلّ مكوّن سياسي على موقفه من تقاسم الحصص الوزارية دون الأخذ بالإعتبار مصلحة لبنان والشعب اللبناني أولاً… فهل يتعظ المسؤولون ويعطون الأولوية لمصلحة البلاد قبل أي شيء آخر وقبل فوات الأوان؟!