Beirut weather 14.51 ° C
تاريخ النشر September 5, 2020 08:31
A A A
لئلا تضيع روح بيروت اكثر… ويصبح الوجع مضاعفاً!
الكاتب: منال شعيا - النهار

مئة عام على ولادة لبنان الكبير، وكاد لبنان ان يفقد كل معالمه القديمة – الجميلة، تارة بالتشويه المدني البشري، وتارة أخرى بانفجارات وحروب…
تلك هي حال بعض الأبنية التراثية، ولاسيما منها التي كانت تحتل حيزا كبيرا من قلب العاصمة وشوارع الجميزة ومار مخايل، وغيرها الكثير.
وليس حصر الأمثلة في هذه المناطق إلا عيّنة عن تلك الأبنية، بعد الانفجار الذي زلزل بيروت. طبعاً ثمة مناطق أخرى تضم الكثير من التراث والابنية الجميلة، التي هي بدورها مهددة بالزوال اذا لم تتم المحافظة عليها.
الا ان في بيروت حكاية أخرى، بحكم انفجار المرفأ الذي غيّر واجهة العاصمة والشوارع المحيطة.
أزولاي والدعم
لم تكن زيارة المديرة العامة للأونيسكو أودري أزولاي للمناطق المنكوبة الا تأكيداً لأهمية هذا التراث اللبناني. فقد دعت إلى “حماية المناطق المتضررة من خلال اتخاذ تدابير تنظيمية وتشريعية وتجميد موقت لأي معاملات عقارية فيها مع تطبيق تدابير لحماية الإرث الوطني الذي هو اساسي للبنان”.
وفي هذا الكلام اكثر من رسالة معبّرة، أولاً لجهة “المعاملات العقارية”، بعد الحديث عن عروض مغرية لشراءهذه الأبنية، وبعد “الفرصة” التي يستغلها “المطوّرون العقاريون” على حساب الناس واملاكهم.
بدت ازولاي مدركة تماما لحيثيات الواقع اللبناني، لا سيما عندما تحدثت عن “تدابير تنظيمية – تشريعية”، يجب اتخاذها، معيدة بذلك الضوء الى قانون الأبنية التراثية. والسؤال: اين هو قانون الابنية التراثية، وما السبيل الى تطبيقه الآن، خصوصا في المناطق المتضررة من انفجار المرفأ، وهل من ثغرات فيه؟
في الأساس، ننطلق من القول ان القانون لم يُنجز بعد، بمعنى انه لا يزال مشروع قانون محالاً من الحكومة على مجلس النواب، يقبع في أدراج اللجان ويُدرس.
وفي ملاحظة أولية، يتبين ان ثمة قانونا ينبغي اقراره قريبا، لا سيما اذا جرى تنظيم اجتماع للدول والجهات المانحة أواخر أيلول الجاري، “لدعم الشعب اللبناني ومساعدته على إعادة إحياء تاريخه وإعادة إحياء بيروت المدينة التاريخية”، كما وعدت ازولاي، بحيث يفترض ان يترافق هذا الدعم مع تشريعات ملائمة.
واستناداً الى التقديرات الأولية، ثمة نحو 8 آلاف مبنى متضررة بنسب مختلفة، بينها 600 مبنى ذات طابع تاريخي، ونحو 60 مبنى معرضة للانهيار. هذا ما أحصته الاونيسكو، في ارقام أولية بعد الانفجار.
فما هي قصة قانون الأبنية التراثية؟
قانون الـ2017 والهدم
بدايات مشروع القانون تعود الى عام 2017، حين وافقت الحكومة على إقرار “قانون لحماية المواقع والأبنية التراثية” في 12 تشرين الاول من ذاك العام، فحوّل مشروع القانون الى اللجان النيابية المختصة في بداية عام 2018، ليسلك مساره التشريعي.
اكثر من وزير ثقافة تعاقبوا على تلك الوزارة، وكان مشروع القانون قيد الدرس، وقد اعترف عدد منهم بـ”ثغرات هذا المشروع”. ولعل ابرز الشوائب فيه ان الابنية التراثية المهددة تفوق قدرة وزارة الثقافة وامكاناتها، وبالتالي ان وضع المباني التراثية على لائحة الجرد العام للآثار، لا يستلزم، وفق مشروع القانون، استملاك الوزارة لهذه الأبنية وحمايتها، بسبب الكلفة العالية.
خلال مناقشة مشروع القانون في اللجان النيابية، توقف اكثر من نائب، ولاسيما النواب الأعضاء في لجنة الثقافة النيابية، عند “معايير تصنيف الأبنية التراثية”، واجمعوا على توحيد هذه المعايير وتحديدها علمياً، منعاً للتلاعب او لاستنسابية وزير او موظف، يعطي على ذوقه التصنيفات لكل مبنى او عقار.
ووفق معلومات “النهار” ان “التلاعب أحيانا بهذه التصنيفات يمكن ان يفقد الأبنية نحو 70 في المئة من قيمتها، وهذا ما يهددها”. فكيف السبيل الى إقامة توازن بين المالك واهمية التراث؟
في نص مشروع القانون الذي وصل الى مجلس النواب، لم يراعَ هذا التوازن الدقيق، وربما هذا هو السبب الأساسي الذي يعرقل إنجازه واقراره منذ ذلك الحين، وهذا ما دفع الاونيسكو الى الحديث عن “تنظيمات تشريعية” ضرورية لمواكبة ما حصل بعد انفجار المرفأ.
علّة مشروع القانون ربما تكمن في “نقل عامل الاستثمار”، أي تحديداً في الفقرة الرابعة من ملخص ملف مشروع القانون، اذ ان القانون يحمي مالكي الأبنية ويجبر السلطة (وزارة الثقافة) أيضا على “حماية الابنية التراثية المنعزلة”، بواسطة “نقل عامل الاستثمار”، أي ان مشروع القانون ينقل عامل الاستثمار من عقار إلى آخر، وهو ما يعرف بـ”بيع الهواء” لصاحب العقار التراثي في عقار آخر كنوع من تعويض له عن قيمة استثمار العقار التراثي.
انما بهذه الطريقة يؤدي بقاء المبنى التراثي وعدم هدمه الى تشويه منطقة أخرى، يعطى فيها المستثمرون الحق بزيادة أمتار البناء، ويسمح ربما ببناء طبقات أخرى في مبانٍ موجودة في النطاق نفسه، (عبر ما يُعرف بنقل عامل الاستثمار).
ومن خلال هذا “الحل السحري”، تُعفى السلطة (وزارة الثقافة) من دفع تعويضات لأصحاب المباني التراثية، وينال المالك “هواء” مبنى في محيط العقار.
توقف الدرس عند هذا الحد، بعدما تبيّن ان نص القانون ومواده لا توفر البدائل او الحلول، لانها لا تدعم المالك بالأموال اللازمة، ولا تقوم وزارة الثقافة بواجباتها بحجة النقص المالي، فلا يمكن استملاك المبنى للحفاظ على قيمته التراثية، على رغم ان ثمة قانونا واضحا للاستملاك في لبنان. وكم من حادثة تروى عن محاولة هدم عدد من الأبنية، تمهيدا لشرائها بفضل “المطورين العقاريين” انفسهم، بحجة ان المبنى تداعى لوحده و”تعبت” اساساته، لتدخل بذلك صفقات الشراء وبناء الأبراج والابنية الشاهقة. وهذا ما حصل بالفعل على مرّ الأعوام، وسُمّي “الهدم الممنهج”، لان لا قانون، حتى اللحظة، يحمي التراث ويعطي المالك حقه.
الكل يتذكر الحادثة التي حصلت مع وزير الثقافة سابقاً روني عريجي حين منع هدم أحد المباني المصنفة أثرية، فعمد المالك الى رفع دعوى امام مجلس شورى الدولة وربحها، فتمّ إبطال قرار الوزير.
من هنا، ان قضية الأبنية التراثية تستوجب، اليوم قبل الغد، ورشة تشريعية جدية توقف جشع بعض المالكين، وصفقات “المطورين العقاريين” وتحافظ على هوية بيروت التراثية، والاهم ان تلتزم وزارة الثقافة واجباتها حيال المواطن… مثل التعويضات او غيرها، وتوضع مراسيم تطبيقية قابلة للتطبيق ولا تكون معقدة، لئلا تضيع روح بيروت اكثر… ويصبح الوجع مضاعفاً!